مقالات

دمُ الجنود ليس بيانًا… يكفي حزنًا رسميًابقلم د. جيلبير المجبر

ليسوا أرقامًا في بيان رسمي، ولا أسماءً تُذكر في لحظة وداع عابرة، بل هم أبناء فرنسا الذين غادروا وطنهم حاملين مهمة واضحة تحت راية الأمم المتحدة، جاؤوا إلى لبنان لا ليصنعوا حربًا بل ليحافظوا على ما تبقى من سلام هشّ، سلامٍ لم يعد أحد يعرف كيف يُحمى ولا من يحميه، ومع ذلك وجدوا أنفسهم في قلب خطر لم يختاروه، وفي مواجهة موت لم يكن يومًا جزءًا من مهمتهم.
ما يحدث اليوم لا يُختصر بحادثة أمنية، ولا يُفهم كخسارة عسكرية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لمعنى الدولة، لمعنى المسؤولية، ولمعنى أن يكون للدم قيمة تتجاوز الكلمات. كيف يمكن أن يُقتل جندي وهو يؤدي مهمة سلام، ثم يُختصر دمه ببيان تعزية وتصريح إدانة؟ وأي منطق هذا الذي يجعل الموت حدثًا يُدار بالكلمات بدل أن يكون صدمة تُحرّك الدول وتُجبرها على الفعل؟
الحزن الرسمي، مهما كان صادقًا، لم يعد كافيًا. لأن الحزن عندما يتحول إلى طقس متكرر يفقد معناه، وعندما يصبح بديلاً عن القرار يتحول إلى غطاء للعجز. فلا قيمة لعبارات التعزية إذا لم تتبعها أفعال بحجم الدم الذي سُفك، ولا معنى لمواقف الإدانة إذا بقيت حبيسة التصريحات ولم تُترجم إلى خطوات تكشف الحقيقة وتفرض المحاسبة.
هؤلاء الجنود لم يرتكبوا خطأ، ولم يكونوا طرفًا في صراع، ولم يحملوا سوى واجبهم المهني والإنساني، ومع ذلك قُتلوا. وهنا لا يعود السؤال فقط من أطلق النار، بل من سمح بأن يصل المشهد إلى هذا الحد، ومن سيقبل بأن يبقى الأمر ضمن حدود الكلام. لأن أخطر ما في هذه اللحظة ليس الجريمة بحد ذاتها، بل احتمال أن تتحول إلى حدث عادي، إلى رقم جديد يُضاف إلى قائمة النسيان.
المسؤولية هنا واضحة ومباشرة. تقع أولًا على الدولة في لبنان التي لا يمكنها أن تكتفي بالإدانة، بل عليها أن تتحرك بسرعة ووضوح، عبر تحقيق شفاف لا يخضع لأي ضغوط، وتوقيف كل المتورطين دون استثناء، وإحالة القضية إلى القضاء ليأخذ مساره الكامل، لأن أي تهاون في هذا الملف لا يعني فقط فشلًا أمنيًا، بل انهيارًا لما تبقى من فكرة الدولة وقدرتها على فرض القانون.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل السؤال الموجّه إلى فرنسا: هل تقبل دولة بتاريخها ومكانتها أن يُقتل جنودها ويُكتفى بالحزن؟ أم أن كرامة جنودها تفرض عليها أن تطلب الحقيقة كاملة وأن تلاحقها حتى النهاية؟ فالدول لا تُقاس فقط بقوة جيوشها، بل بمدى التزامها تجاه من يخدمون تحت علمها، وبقدرتها على تحويل الدم إلى قضية لا إلى ذكرى.
الشعب الفرنسي لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات، بل إلى وضوح. إلى معرفة ما حصل، ولماذا حصل، ومن سيتحمل المسؤولية. لأن الحقيقة وحدها تعطي للموت معنى، وهي وحدها تمنع تكراره. أما الصمت، أو الاكتفاء بالبيانات، فليس حيادًا كما يُظن… بل موقف، ورسالة خطيرة مفادها أن الدم يمكن أن يُنسى.
في هذه اللحظة، لم تعد المسألة دبلوماسية، بل مسألة كرامة وعدالة. إما أن تُكشف الحقيقة كاملة ويُحاسَب كل من تورّط دون استثناء، أو أن يُقال بوضوح إن دم الجنود لم يعد أولوية. لأن التأخير ليس تفصيلاً… بل قرار، ولأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس الجريمة نفسها، بل أن يعتادها العالم.
وعندها… لا يسقط الجنود فقط،
بل تسقط قيمة الدول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى