مقالات

الإنتقال من الكلام إلى الفعل… لحظة لا تحتمل التأجيلد. جيلبير المجبر

في زمنٍ لم يعد فيه الغموض ترفًا، ولا الانتظار خيارًا، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية لا تُقاس بحجم التصريحات، بل بجرأة القرارات. ما صدر عن البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، وما يحمله خطاب رئيس الجمهورية جوزيف عون، ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو رسمٌ واضح لمعالم دولة طال انتظارها: دولة السيادة، وحدة القرار، وحصرية المرجعية.

لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي الآتية:
لبنان لا ينقصه وضوح في الرؤية… بل ينقصه حسم في التنفيذ.

لقد اعتاد اللبنانيون على سماع العناوين الكبيرة، حتى بات الخطر الحقيقي ليس في غياب الخطاب، بل في تحوّله إلى بديل عن الفعل. وهنا تكمن المعضلة: حين تتحوّل المواقف إلى سقفٍ بحدّ ذاتها، بدل أن تكون نقطة انطلاق.

إن التمسّك بالدولة، وبحصرية السلاح، وبدعم الجيش اللبناني، لا يمكن أن يبقى في إطار الإجماع النظري. فالدولة لا تُبنى بالتمنيات، بل تُفرض بقرارات. والسيادة لا تُعلن، بل تُمارس. وكل تأخير في هذا المسار ليس حيادًا… بل استنزاف مقنّع للوقت والفرص.

نعم، التفاوض خيار عقلاني، بل ضرورة في لحظة إقليمية معقّدة. لكن التفاوض بلا قوة دولة تحميه، يتحوّل تدريجيًا إلى إدارة أزمة بدل حلّها. والتاريخ اللبناني مليء بمحطاتٍ دفع فيها الوطن ثمن التردّد أكثر مما دفع ثمن المواجهة.

من هنا، لا يعود كافيًا أن نؤيّد هذا المسار—بل يصبح واجبًا أن نحصّنه بالفعل.
فالمطلوب اليوم ليس إعادة صياغة الخطاب، بل تثبيته بقرارات واضحة لا تحتمل التأويل.
والمطلوب ليس فقط دعم المؤسسات، بل تمكينها من بسط سلطتها الكاملة دون استثناء أو تردّد.
والمطلوب قبل كل شيء، وضع حدّ لثقافة التأجيل التي أنهكت الدولة وأفرغت المفاهيم من مضمونها.

لبنان لا يسقط عندما نختلف… بل عندما نؤجّل القرار.

وأخطر ما قد نواجهه اليوم، ليس خصمًا خارجيًا، بل عجزًا داخليًا عن التقاط لحظة الفرصة. لأن الفرص، في تاريخ الأوطان، لا تتكرّر كثيرًا—وعندما تضيع، لا تعود على الشكل نفسه.

إن دعم هذا التوجّه الوطني واجب، لكن الوفاء له لا يكون بالتصفيق، بل بالمطالبة بتنفيذه حتى النهاية. فإمّا أن تتحوّل هذه اللحظة إلى نقطة تأسيس حقيقية لدولة فعلية، وإمّا أن تُضاف إلى أرشيف الفرص الضائعة التي أتقن اللبنانيون إهدارها.

لم يعد الوقت يسمح بأنصاف الحلول.
ولا المرحلة ترحم المتردّدين.

إمّا دولة تُقرّر… أو وطن يُستنزف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى