
واقع المواجهة وذاكرة الإتفاقات : قراءة في ما يجري اليوم بقلم: عماد أحمد العيسى
لا يمكن التعامل مع أي حديث ،عن مباحثات بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي ،بوصفه مسألة سياسيًة عابرًة، أو تطورًا تقنيًا في مسار دبلوماسي معقّد،التجارب التاريخية الممتدة منذ عام 1949 وحتى اليوم ،لا يمكن ان تحمل اكثر من الواقع الصهيوني الخبيث ، وتفرض قراءتها ضمن سياق طويل من المحطات التي لم تُفضِ، في معظمها إلا إلى نتائج هشة أو فاشلة ( هذا هو التاريخ ) .
من اتفاقية الهدنة عام 1949، التي جاءت برعاية الأمم المتحدة، وشكّلت الإطار الرسمي الوحيد بين لبنان ( ودولة الكيان )، وصولآإلى اتفاق 17 أيار 1983، الذي وُلد في ظل الاحتلال وسقط تحت ضغط الإرادة الشعبية المقاومة اللبنانية، اليوم تتكرر الخلاصة ذاتها،لذلك فإن كل محاولة مباشرة لإنتاج تسوية سياسية ،كانت إما مفروضة أو قصيرة العمر مصيرها الفشل ، أما المسارات غير المباشرة، مثل تفاهمات نيسان او مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، فقد بقيت محكومة بسقوف تقنية ،ولم تتحول يومًا إلى سلام حقيقي ،اليوم يُعاد طرح المباحثات، ويُسوّق لها على أنها تحوّل نوعي أو فرصة جديدة، غير أن القراءة الواقعية تشير، إلى أنها تأتي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، بحيث تتداخل الحسابات الدولية ،مع محاولات إعادة ترميم صورة الردع، وتقديم إنجازات سياسية تعوّض إخفاقات ميدانية في أكثر من ساحة،ولكن يبقى السؤال الجوهري… هل تغيّرت الشروط؟
التاريخ القريب يقدّم إجابة واضحة ، على سبيل المثال،إتفاق اوسلو لم يُنهِ الصراع الفلسطيني (الإسرائيلي) ،ولم يحقق شيء للفلسطيني بل العكس ، مع التذكير انه ترافق مع تحولات عميقة ،في شكل المقاومة واستمرارها ،وفي لبنان إتفاق 17 أيار لم ينتج إستقرارًا ولا من ( يحزنون ) ، بل شكّل أحد الدوافع التي عززت خيار المقاومة ،وأسهمت في إسقاطه إنها معادلة تتكرر…
لذلك عندما تُفرض تسويات ،لا تستند إلى توازن حقيقي أو إلى حقوق ثابتةوإعادتها، تتحول إلى مصدر توتر لا إلى مدخل حل.
في الحالة اللبنانية، لم يكن إسقاط اتفاق 1983 مجرد حدث سياسي عابر، بل تعبيرًا عن رفض عميق ،لأي صيغة تُكرّس الهيمنة أو تنتقص من السيادة،ناهيك عن الشعب اللبناني الذي يرفض الظلم ويرفض الإستسلام، ولا يقبل إلا بالكرامة والعز والشرف ، وهذا ما لا يقبل به ( الإسرائيلي ) ،اما في الحالة الفلسطينية، فلم تُفضِ الاتفاقات إلى إنهاء معاناة الشعب، بل أعادت إنتاجها بأشكال مختلفةواكثر من هنا، فإن أي قراءة للمباحثات الحالية يجب ألا تنفصل عن هذه التجارب،لإن المسألة لا تتعلق بمجرد لقاءات أو قنوات تواصل او صور ومصافحة ، بل بطبيعة المشروع الذي يقف خلفه، وبموازين القوى التي تحكمه، وبالقدرة على فرض معادلة عادلة، لا تُختزل في إدارة الصراع بدل حله.
حتى الآن، لا تبدو المؤشرات مشجعة، وما يجري أقرب إلى إعادة تدوير لمسارات سابقة، مع اختلاف في الشكل لا في الجوهر، الدبلوماسية هنا تُستخدم، في كثير من الأحيان، كأداة لشراء الوقت أو لإعادة ترتيب المشهد، لا كمدخل حقيقي لتسوية عادلة ومستدامة.
في الخلاصة، لا يمكن فصل الحاضر عن الذاكرة،وهي مليئة بالظلم والاحتلال والقتل والهمجية ،بكل انواعها ،والتاريخ وإن لم يُكرر نفسه حرفيًا، فإنه يُحذرنا بوضوح…
كل تسوية لا تُبنى على العدالة والتوازن، مصيرها السقوط… مهما طال الزمن، وهذا لا يبنى مع المحتل .
