متفرقات

مستقبل المهن والعمل في عصر الذكاء الاصطناعي: بين التحول الجذري واعادة تعريف عقد العمل” للدكتورة اودين سلوم

برعاية وحضور نقيب المحامين في طرابلس مروان ضاهر وعضو مجلس النقابة الأستاذ نبهان حداد، نظم معهد المحاماة في النقابة بالتعاون مع لجنة الذكاء الاصطناعي محاضرة ألقتها الدكتورة أودين سلوم بعنوان: “مستقبل المهن والعمل في عصر الذكاء الاصطناعي: بين التحول الجذري واعادة تعريف عقد العمل”، بحضور زميلات وزملاء محامين ومتدرجين ومهتمين.
البداية بكلمةٍ للنقيب ضاهر شدد خلالها على ضرورة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها الثورة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في مختلف ميادين العمل والمهن، إنّ هذا التحوّل لا يقتصر على تطوير أدوات الإنتاج وأساليب الأداء فحسب، بل يمتد ليطال المفاهيم القانونية ذاتها، وفي طليعتها مفهوم عقد العمل وحدود العلاقة بين الإنسان والتقنية، ومن هنا تأتي أهمية هذه المحاضرة لتفتح أمامنا نقاشاً علمياً رصيناً حول التحديات والفرص التي يفرضها عصر الذكاء الاصطناعي، ودور القانونيين والمحامين في مواكبة هذه التحولات وصياغة أطر قانونية حديثة تحفظ حقوق الإنسان وتواكب تطور المهن وسوق العمل.
ثم كان كلمة لعضو لجنة الذكاء الاصطناعي الاستاذة نهال صافي اشارت فيها الى ان الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد اداة تقنية بل اصبح قوة تعيد تشكيل المهن وتعيد طرح اسئلة جوهرية حول مستقبل العمل وطبيعة الوظائف وحتى مفهوم عقد العمل نفسه.
لتبدأ بعدها الدكتورة أودين سلوم محاضرتها مستهلةً بالقول أن التاريخ البشري يتمحور حول ثورات كبرى أعادت تشكيل المجتمع بعمق، بعد الثورة الصناعية والثورة الرقمية، نواجه اليوم ثورة الذكاء الاصطناعي. هذه الموجة التكنولوجية الجديدة لا تمثل مجرد تقدم تقني، بل انقلاباً جذرياً يعيد تعريف مبادئ العمل والاقتصاد العالميين.
بُني عقد العمل في صورته التقليدية على عناصر مستقرة نسبيًا:التبعية القانونية، والرقابة البشرية، وتحديد زمان ومكان العمل. غير أنّ هذه العناصر باتت اليوم محل تساؤل في ظل بيئات عمل جديدة تُدار جزئيًا أو كليًا بواسطة الخوارزميات، حيث تتراجع السلطة البشرية المباشرة لصالح أنظمة آلية تتولّى التقييم، والتوجيه، وأحيانًا اتخاذ القرار. في سياق العمل، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن العامل في بعض المهام، ومكمّل للعامل في مهام أخرى، و مُعيد لتشكيل المهمة أو طبيعة العمل. أما المهارات المطلوبة مستقبلًا فهي التفكير النقدي والإبداع والذكاء العاطفي والقدرة على العمل مع الآلة لا ضدها.
في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد تعريف عقد العمل التقليدي كافيًا كونه لا يستوعب التحولات البنيوية التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في تنظيم العمل، وإدارة العمل بواسطة الخوارزميات، والعمل عبر المنصّات الرقمية، واتخاذ القرارات المؤتمتة المتعلقة بالتوظيف والتقييم وإنهاء العلاقة المهنية. لذلك يجب إعادة تعريف عقد العمل على نحو يستوعب الخوارزميات، والعمل الرقمي، والرقابة الآلية. وقد كرّست محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي مبدأ أولوية الواقع الاقتصادي والوظيفي على التوصيف الشكلي للعلاقة التعاقدية، معتبرة أن الرقابة الرقمية قد تشكّل قرينة على وجود علاقة عمل. تظهر القرارات الحديثة الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية أن هذه المحكمة لا تحصر التبعية في الأوامر الشخصية المباشرة، وتعترف ضمنيًا بأشكال تبعية تنظيمية وتقنية، وتمهّد نظريًا للاعتراف بـالتبعية الخوارزمية في اقتصاد المنصّات.
ثم عرضت لبانوراما المخاطر حسب القطاع والمهنة في مواجهة الذكاء الاصطناعي واشارت الى انه بعيداً عن المهن الجديدة والفرص الاقتصادية الناشئة، يحول الذكاء الاصطناعي الممارسات المهنية الفردية في العديد من القطاعات التقليدية بعمق. لا تقتصر هذه التطورات على مجرد تحسين العمليات الحالية؛ بل تعيد تحديد طبيعة الأنشطة ودور المهنيين، وغالباً ما يكون ذلك ضمن منطق “التعزيز” بدلاً من “الاستبدال”. كما أكدت أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل البشر، ولكنه سيجعل البقاء للبشر الخارقين تقنياً. في مهنتي الطب والمحاماة تحديداً، توجد “فجوة” لا يمكن للذكاء الاصطناعي عبورها مهما تطور، وهي فجوة المسؤولية الأخلاقية والروح الإنسانية.
ختمت المحاضرة بالقول أن الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الإنسان، انما ستتولى الآلات المهام المنطقية والحسابية، وستبقى للبشر المهام الأصعب وهي: الإبداع، والتعاطف، والتفكير النقدي، والقيادة الحكيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى