
المرأة اللبنانية في زمن الحرب: الجبهة التي لا تُقصف لكنها تصنع الحياة \ د. ثروات ملحم درويش \ المصدر ثروت نيوز
ليست كل جبهات الحرب مرئية؛ فهناك جبهة أخرى لا تظهر في نشرات الأخبار، ولا تُرصد بصور الأقمار الصناعية، لكنها قائمة في آلاف البيوت كل صباح. إنها الجبهة التي تقف عليها المرأة، وهي تحاول أن تحافظ على حياة عائلتها طبيعية في زمن لم يعد فيه شيء طبيعياً.
في لبنان، حيث تعوّد الناس على العيش بين الأزمات والحروب، أصبحت المرأة تحمل أدواراً مضاعفة. فهي تخرج إلى عملها محاولةً أن تبقى منتجة ومتماسكة، بينما يظلّ جزء من تفكيرها عالقاً في منزلها، حيث يجلس أطفالها أمام الشاشات يتابعون دروسهم عبر الإنترنت، أو ينتظرون من يساعدهم على فهم واجباتهم المدرسية.
لكن من أصعب ما تعيشه الأم في زمن الحرب ذلك القلق العميق الذي يرافقها وهي بعيدة عن أبنائها خلال ساعات العمل. فالأم التي تغادر منزلها صباحاً لا تترك خلفها فقط أطفالها، بل تترك جزءاً من قلبها معهم. تمضي إلى عملها محاولةً أن تبدو قوية ومتماسكة، بينما يلاحقها سؤال لا يغيب عن ذهنها: هل هم بخير الآن؟
في أوقات الهدوء قد يكون البعد عن الأبناء أمراً عادياً، لكن في زمن الحرب يتحوّل هذا البعد إلى مصدر قلق دائم. فكل خبر عاجل، وكل صوت مفاجئ، وكل رسالة متأخّرة قد يزرع في قلب الأم خوفاً لا يُقال. وبين مهمة وأخرى في العمل، تجد نفسها تمسك هاتفها لتطمئن عليهم.
إنها معادلة يومية صعبة: امرأة تعمل لتؤمّن استقرار أسرتها، وفي الوقت نفسه تحاول أن تكون حاضرة في كل تفاصيل حياة أبنائها.
ضغط العمل… وقلق الأمومة
في مكان العمل، يُطلب من المرأة أن تكون منتجة وفعّالة كما لو أنّ حياتها خارج المكتب مستقرّة. لكنها في الحقيقة تحمل معها إلى العمل قلقاً دائماً:
هل يشعر الأطفال بالأمان؟ هل دخلوا إلى حصصهم الدراسية؟ هل انقطعت الكهرباء؟ هل يحتاج أحدهم إلى مساعدة في الدرس أو إلى دعم نفسي؟…
هذا التوتر الصامت يرافقها طوال يوم العمل. فهي تؤدي مهامها بكلّ مهنية، لكنها في الوقت نفسه تراقب هاتفها، وتفكّر في منزلها، وتحاول أن تبقي كل شيء تحت السيطرة من بعيد.
وفي كثير من الأحيان، لا تدرك بيئات العمل حجم هذا الضغط، لأن ما تعيشه المرأة ليس مجرّد مسؤوليات إضافية، بل حياة كاملة موزّعة بين مكانين في الوقت نفسه.
لكن التحدّي الحقيقي يبدأ عندما تعود المرأة إلى منزلها. هناك لا تنتظرها الراحة، بل تبدأ مرحلة جديدة من العمل:
إدارة شؤون المنزل، تحضير الطعام، متابعة الأطفال، الجلوس معهم لمراجعة الدروس، ومحاولة تعويض ما فاتهم خلال النهار.
ومع التعليم الأونلاين، تحوّلت الأم في كثير من البيوت إلى معلّمة ومشرفة تربوية، تشرح الدروس وتعيد تبسيطها، وتتابع الواجبات، وتحاول أن تحافظ على التزام أبنائها رغم الفوضى التي قد تفرضها الظروف اليومية.
وفي بلد يعاني أحياناً من انقطاع الكهرباء أو ضعف الإنترنت، تصبح هذه المهمة أكثر تعقيداً، لأنها تتطلب صبراً مضاعفاً وتنظيماً دقيقاً للوقت.
الضغط الذي لا يُرى
ما تعيشه المرأة اللبنانية في هذه الظروف ليس مجرّد تعب جسدي، بل ضغط نفسي عميق. فهي تحاول أن تبقى قوية أمام أطفالها، وأن تخفي قلقها حتى لا يشعروا بالخوف.
وغالباً ما تؤجّل المرأة الاهتمام بنفسها، لأنّ الأولوية تبقى دائماً لعائلتها. ومع مرور الوقت، تتراكم المسؤوليات لتصبح عبئاً نفسياً صامتاً لا يلاحظه الكثيرون.
لكن رغم ذلك، تستمر المرأة في أداء دورها بصبر مذهل. فهي تدرك أنّ استقرار البيت يبدأ من قدرتها على تنظيم الحياة اليومية، مهما كانت الظروف صعبة.
صمود النساء… صمود الحياة
في الحروب تُكتب قصص كثيرة عن السياسة والدمار، لكن القصص التي تحافظ على المجتمع حيّاً تُكتب في البيوت، حيث تعمل النساء كل يوم بصمت ليبقين الحياة ممكنة.
فالمرأة التي توازن بين ضغوط العمل ومسؤوليات المنزل، والتي تتابع تعليم أطفالها وتمنحهم الشعور بالأمان، لا تقوم فقط بدور عائلي. إنها تؤدي دوراً اجتماعياً عميقاً: حماية المستقبل وسط الفوضى.
لهذا، عندما نتحدّث عن صمود المجتمعات في زمن الحروب، علينا أن نتذكر أنّ جزءاً كبيراً من هذا الصمود يبدأ من هناك…
من امرأة تحاول كل يوم أن ترتّب الفوضى، وأن تحافظ على بيتها واقفاً في عالم يهتز من حوله.
وفي النهاية، تبقى المرأة اللبنانية في زمن الحرب التي نعيشها رمزاً للصمود الصامت. هي التي لا تُسمع صرخاتها، لكنها تصنع الفارق في كل بيت، في كل طفل، في كل وجبة تُعد، وفي كل درس وفرض لولدها. صمودها اليومي ليس مجرّد تحمّل للواجبات، بل بناء للمستقبل وسط الفوضى.
وعلى الرغم من التعب والقلق والضغط المستمر، تستمر في العطاء، وتثبت أنّ القوة الحقيقية ليست في الصوت العالي أو الأوامر الصادرة، بل في الصبر المستمر، في القدرة على التكيّف، وفي الإصرار على حماية الحياة بكل تفاصيلها الصغيرة.
في زمن يختلط فيه الخوف بالأمل، تظلّ المرأة اللبنانية هي الملاذ الأخير، والقلب الذي ينبض بالأمان، والجبهة التي لا تُقصف، لكنها تصنع الحياة.
