
طرابلس ، اضاءةُّ جديدة – قديمة على مبانيها المتصدّعة والآيلة للسقوط في ايّة لحظة . \ نبيل الزعبي
قد يكون ما حصل في منطقة ضهر المغر بطرابلس صبيحة يوم ٧/١/٢٠٢٦ عنواناً لحالة سوريالية عاشها اهالي المنطقة بكل ما يحمله القلق والغضب من معانٍ وهم يشهدون بأم العين أحد المباني السكنية يتزعزع وعلى وشك الانهيار دون ان يكون باليد حيلة سوى الاستنجاد بوسائل التواصل الاجتماعي لنقل تلك الصورة المأساوية علّها تشق طريقها إلى ضمير الرأي العام اللبناني والمؤسسات الاجتماعية الانسانية في الوقت الذي شرع سكان المبنى نحو الإخلاء دون ان يأخذ الواحد فيهم ايَّ حيِّزٍ من الوقت للملمة ما يستطيع حمله من عفشٍ وأثاث بات ثقيلاً عليه في تلك اللحظة الحرجة وهم العاجزين اساساً عن حمل ما خفّ وزنه وثقل ثمنه لضيق ذات اليد والعَوَز الذي دفعهم إلى البقاء سنين وسنين في مبانٍ متهالكة لم يعد لها من اختلاف شبه مع المقابر الجاهزة للحجر والبشر معاً .
من تلك السوريالية ايضاً ما حملته صورة عجوزُّ ثمانيني رفض مغادرة المبنى المنهار رغم مناشدة الاهالي له بتركه مردداً امام عدسات المصورين والمراقبين : في اي عراءٍ سأنام مع عيالي العشرة وفي عز هذا البرد والصقيع !!
هي احدى أقسى وابشع واخطر لحظات الألم التي لخص فيها هذا العجوز مآسي ابناء حيًِ باكمله تآخوا مع الموت ردحاً طويلاً من الزمن تخللته احداثُّ مماثلة ذهب ضحيتها ابرياء جراء انهيار ابنية متصدّعة آيلة للسقوط مع كل زخات مطر ثقيلة ورعدٍ وعواصف لا ترحم شيباً ولا شباباً ولطالما سُلِّطَت الاضاءة على تلك الحالات المتكررة في مدينة طرابلس عاماً بعد عام حيث تتعدى الواحدة منها المنطقة المنكوبة في ضهر المغر لتشمل ما لا يقل عن اكثر من الف مبنىً مماثل تشملهم المدينة القديمة وأحياء التبانة والقبة والسويقة وغيرها حسب الإحصاءات الرسمية بينما الواقع يشير إلى تعدادها بالآلاف ، ولَكَم بُحَّت الأصوات واختنقت الحناجر وابناء المدينة يناشدون المعنيين في الدولة اللبنانية والحكومات المتعاقبة لإيجاد حلولٍ جذرية شملت شتى الاقتراحات لناحية ترميم ما امكن ترميمه خاصة تلك الابنية التراثية التي تشملها المدينة الداخلية والاستفادة منها سياحياً وتراثياً تعزيزاً لطرابلس التاريخية التي توازي القاهرة بآثارها وأبنيتها المملوكية ، او باستغلال اراضي عقارات الابنية المتهالكة التي لا ينفع فيها الترميم لهدمها وانشاء ابنية حديثة بعد توفير الملاذات الآمنة لسكانها وتلك مسألة لا تحتاج سوى لتأسيس صندوقٍ انمائي تبدأ به الدولة وتستثير حميّة وشعور اثرياء المدينة للمساهمة فيه إلى جانب مناشدة منظمة اليونيسكو والهيئات الإنسانية الدولية والمجتمع المحلي لتقديم التبرعات تعويضاً عن حالات ذرف الدموع الكاذبة التي تكتفي بالاستنكار واستهجان ما يحصل من مصائب متتالية لن تكون مصيبة سكان المبنى المنهار في ضهر المغر الأخيرة هي ختام ما حلَّ على المدينة من احزان وما ينتظرها من مصائب وانما هي جرس إنذار جديد يجب ان يدفع الدولة والبلدية والمجتمع المدني نحو التحرُّك الميداني وتدارك المآسي المفتوحة كي لا ننام على مصيبةٍ اليوم ونستيقظ على اخرى غداً .
