مقالات

(إسرائيل )ليست قضية فلسطينية… بل جريمة مؤجلة في جسد العالم.عماد العيسى كاتب فلسطيني.

يجب التخلص اولآ من الأكاذيب المنمقة…
ما يجري في فلسطين اليوم، والمقتلة في غزة، ليست “صراعًا”، وليست “نزاعًا”، وليست”احتلالًا” أيضآ بالمعنى الكلاسيكي، ما يجري هو استمرار لجريمة أوروبية – غربية مؤجَّلة، تم نقلها من شوارع أوروبا ومن معسكرات الإبادة إلى أرض فلسطين، اما الفاتورة فكانت دمآ ولحمآ من الجسد الفلسطيني،أوروبا لم تدفع ثمن جريمتها ،ولم تحاول… بل صدّرتها.
ومن هنا فإن الغرب لا يدافع عن (إسرائيل) لأنها “دولة ديمقراطية”، ولا لأنها “حليفتة”، ولا حتى لأنها “يهودية”، أو الطفل المدلل كما يطلق عليها .
الغرب في الحقيقة يدافع عن( إسرائيل) لأنها المكبّ التاريخي للمسألة اليهودية الأوروبية،
فحين عجزت أوروبا عن استيعاب اليهود، وحين قررت التخلّص منهم سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، اختارت الحل الأسهل،زرعتهم في أرض ليست لهم، وإقامة كيان مسلح فوق شعب أعزل.
(دولة إسرائيل) على أرض فلسطين ليست تعويضًا لليهود، بل تخلّصًا منهم،والدفاع الغربي عن هذا الكيان ليس أخلاقيًا، بل دفاع عن أموركثيرة لها علاقة بالغرب اولآفهو ،قرار تاريخي جبان،
وجريمة لم يُرَد الاعتراف بها،ومشروع استعماري لا يجوز أن يسقط، لأن سقوطه يعني إدانة الغرب نفسه، وبألتالي من الطبيعي ان نشاهد هذا الدعم والدفاع المستميت من قبلهم عن هذا المسخوط .
ولكن ألاخطر مما حدث، وهذاعلى المستوى العربي او عن طريق الامة العربية هو : إخراج فلسطين من الأمة…
عندما اتخذ القرار في القمة العربية في الرباط عام 1974 بأن”منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”، لم يكن ذلك انتصارًا سياسيًا، بل عملية فصل جراحية باردة،فصلت فلسطين عن بعدها العربي،فصلت القضية عن بعدها الإسلامي،فصلت المأساة عن بعدها الإنساني،وكأن الأنظمة العربية قالت للغرب…خذوا فلسطين… لم تعد شأننا،ومنذ تلك اللحظة، بدأ الانحدار…
لم تعد فلسطين قضية تحرر،بل “ملف تفاوضي”،لم يعد الاحتلال استعمارًا،بل “خلاف حدود”،
لم تعد (إسرائيل) خطرًا وجوديًا،بل “جارًا مزعجًا”،هذه ليست أخطاء لغوية،هذه هزيمة سياسية مقصودة.
كذبة “الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي” ،هذا المصطلح هو أقذر إنجاز لغوي في القرن الحديث لماذا؟
لأنه يساوي بين،جلاد وضحية،بين مستعمِر ومستعمَر،كيان نووي وشعب محاصر.
(إسرائيل ) لا تتصارع مع الفلسطينيين،إسرائيل تُجرّب مشروعها على الفلسطينيين.
تهجير هنا،إبادة هناك،تجويع، حصار، مسح مدن كاملة،وما غزة إلا المختبر الأكثر فجاجة.
غزة أسقطت القناع… إلى الأبد،غزة لم “تفضح إسرائيل”، فهذه لم تعد بحاجة لفضح،
غزة فضحت العالم،فضحت الغرب الليبرالي،فضحت القانون الدولي،فضحت المؤسسات الأممية،
فضحت الأنظمة العربية الصامتة.
في غزة، لم تُقتل عائلات فقط، بل قُتل مفهوم حقوق الإنسان،قُتل وهم العدالة الدولية،قُتل ادعاء “القيم الغربية”من ديمقراطية وما شابه،ومن يظن أن ما جرى في غزة شأن فلسطيني فقط، فهو إمّا أعمى… أو شريك.
وهنا نعود للسؤال ،من المستفيد من بقاء هذا الكيان؟
لنكن واضحين بلا تجميل،(إسرائيل )تخدم الجميع، إلا شعوب المنطقة.
تخدم أمريكا كعصا عسكرية دائمة،تخدم أوروبا كضمانة لعدم عودة المسألة اليهودية إليها،تخدم الأنظمة العربية كفزاعة لتبرير القمع والفشل،تخدم اقتصاد السلاح كمختبر مفتوح على أجساد البشر أما الشعوب؟
الشعب الفلسطيني يُباد،الشعب اللبناني يُهدَّد ويقتل ،الشعب السوري يُستباح،الشعب الأردني يُضغط اقتصاديآ كمرحلة أولى ،الشعب المصري يُستنزف بكل وسائل المعيشة ،ثم يُقال لنا بوقاحة:
(إسرائيل) عنصر استقرار،أي استقرار هذا الذي لا يعيش إلا على الدم.
الخطر الحقيقي، بقاء (إسرائيل) لا زوالها ،الحقيقة التي يُراد دفنها…
إسرائيل لا تحمي أحدًا، بل تُنتج الحروب،وكلما طال عمر هذا الكيان،اتسعت دائرة الدم،تمدّد المشروع،تقلّصت إمكانية الحل،وارتفعت كلفة المواجهة،بقاء (إسرائيل) ليس ضمانة لأمن المنطقة، بل وصفة مؤكدة لانفجارها.
الفرصة التاريخية حين يقترب الخطر من الجميع،وما لم تفهمه الأنظمة، بدأت الشعوب تفهمه.
أن الخطر ليس فلسطينيًا،أن النار لا تقف عند حدود،وأن المشروع الصهيوني لا يعرف الاكتفاء،
وحين يصل الخطر إلى الأبواب، تسقط كل الأكاذيب،تسقط مقولة “السلام”،تسقط مقولة “التعايش”،تسقط مقولة”حل الدولتين”،ويبقى سؤال واحد.
هل نواجه المشروع… أم ننتظر دورنا؟
الخلاصة القاسية ،فلسطين ليست قضية شعب فقط،فلسطين خط الدفاع الأول عن المنطقة، وعن الأخلاق، وعن معنى الإنسان،ومن يصرّ على اختزالها،ومن يصرّ على تحييدها،ومن يصرّ على الصمت فلينتظر وليعلم…
الكيان الصهيوني الذي يقتل الفلسطيني اليوم، لن يتوقف عنده غدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى