مقالات

ليس من السهل اتهام مدينةٍ بالطائفية، كما أنه ليس من السهل تجاهل المشاهد التي تُكذّب هذا الاتهام. \ سمر قرة/ العالمية

في مواسم الأعياد، تتزيّن شوارعنا بما يشبه البيان الصامت: المسلم يشارك في زينة الميلاد، والمسيحي يعلّق قناديل رمضان. تتجاور الشجرة والفانوس بلا حساسيات، ويبدو المشهد وكأنه صورة مثالية لمدينة تعرف كيف تتقاسم الفرح.

لكن الحقيقة لا تُختصر في الزينة.

في افتتاح مهرجان شارع الدكتور يعقوب اللبان في الميناء، حيث ازدانت المنطقة بالقناديل والأضواء، وحيث اجتمع أبناء الميناء وطرابلس ومناطق أخرى في أجواء احتفالية مع بداية الشهر الرمضاني، بدا المشهد للوهلة الأولى تجسيدًا حيًّا لفكرة التعايش الإسلامي – المسيحي. مشروع إنمائي يُراد له أن يكون مساحة لقاء، ورسالة بأن العمران يمكن أن يجمع ما تفرّقه السياسة.

اعتلى المنبر رئيس البلدية مرحّبًا، ثم ألقى الوزير السابق والنائب الحالي جبران باسيل كلمته، مشددًا على أهمية استكمال مشاريع البناء والتنمية، وعلى ضرورة حماية العيش المشترك ومحاربة الفقر والتهميش. لكن لحظة الاعتراض التي صدحت بها إحدى المواطنات، متهمةً ومحتجّةً بصوت عالٍ، كشفت جانبًا آخر من الصورة: تحت الأضواء ثمة توتر، وتحت الزينة ثمة انقسام، وتحت الشعارات ثمة خوف متبادل.

ما سمعته في جولة بين الناس لم يكن احتفالًا خالصًا. كان خليطًا من الحذر، والريبة، وخطاب طائفي مبطّن، وأصوات يائسة تشكك في جدوى المشاريع، وأخرى تخشى أن تكون التنمية عنوانًا لصراعٍ مؤجل. وكأننا نبني الحجر بسرعة، فيما الإنسان لا يزال عالقًا في ذاكرة الخوف.

هنا يعود السؤال الذي طرحناه سابقًا:

الامتحان الفعلي للعيش المشترك لا يكون تحت شجرة الميلاد ولا تحت هلال رمضان، ولا حتى تحت أضواء مهرجان. الامتحان الحقيقي يكون في لحظة القرار – حين نختار خطابًا جامعًا بدل خطاب الكراهية، ومشروعًا وطنيًا بدل اصطفافٍ غرائزي، وصندوق اقتراعٍ يصوّت للكفاءة لا للطائفة.

ألم يتعلم اللبنانيون من دروس الحرب الأهلية؟!

إلى متى سيبقى خطاب الحقد يتسلّل إلى النفوس كلما احتدمت السياسة؟!

المؤلم أن الإحساس العام يوحي أحيانًا بأن نزاعًا صامتًا يُطهى على نارٍ باردة، وأن أي شرارة قادرة على إعادة إنتاج الانقسام.

بناء الشارع وترميم الحجر خطوة مهمة، بل ضرورية. لكن بناء الإنسان–المواطن هو التحدي الأكبر. فلا قيمة لعمرانٍ ينهض فوق نفوسٍ منهكة بالخوف والريبة. وطالما أن العصبيات كامنة في الوعي الجماعي، سيبقى كل مشروع عرضة للاهتزاز.

لا يكفي أن نضيء شارعًا؛ علينا أن نضيء في داخلنا فكرة المواطنة.

لا يكفي أن نرفع شعار التعايش؛ علينا أن نحميه من الاستغلال السياسي.

ولا يكفي أن نحتفل معًا؛ علينا أن نختلف بوعيٍ ومسؤولية.

على المستوى الشخصي، يبقى دعم المشاريع العمرانية التي تقرّب بين اللبنانيين موقفًا مبدئيًا، مهما اختلفنا سياسيًا. فالتنمية حق، واللقاء ضرورة. لكن الأهم أن تتحوّل هذه المبادرات إلى مسارٍ دائم لبناء الإنسان قبل الحجر، وترسيخ ثقافة المواطنة قبل ثقافة الاصطفاف.

فالمدينة التي تُجيد تعليق الفانوس إلى جانب الشجرة، قادرة – إن أرادت – أن تختار في صندوق الاقتراع من يحمي هذا المشهد لا من يستثمر فيه.

العيش المشترك ليس ديكورًا موسميًا، بل خيارًا يوميًا… وموقفًا أخلاقيًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى