
ما بعد غزة: سقوط السردية وبداية العدّ التنازلي لوهم القوة \ عماد العيسى … كاتب فلسطيني
ما جرى في غزة ويجري ،لا يمكن توصيفه بحياد لغوي او مهما كان التوصيف، ولا اختزاله في تعبيرات دبلوماسية مخففة حسب المواقف ، لم يكن ما حدث “حربًا” بالمعنى المتعارف عليه، بل مقتلة مفتوحة، أو نموذجًا فجًّا لما يمكن تسميته بالنازية الإسرائيلية الجديدة القديمة، حيث استُخدمت القوة العارية بلا أي ضوابط أخلاقية ،أو قانونيةوبلا رادع ، في محاولة يائسة لإعادة ترميم صورة ردع ،كانت قد تصدعت بفعل السابع من أوكتوبر .
منذ اللحظة الأولى، طُرح السؤال الخطأ: ماذا جرى في غزة؟بينما السؤال الحقيقي كان ولا يزال، من خسر فعليًا؟
هل خسرت غزة؟
هل خسرت فلسطين؟
أم أن دولة الكيان، رغم كل هذا الدمار، هي التي خرجت مهزومة على مستوى أعمق وأخطر؟
هناك الكثير ممن لا يمكنه ،أن يتخيل أن هذا الكيان يمكن أن يهزم أو أن ينتهي،بل لا يريد أن يرى ذلك ألمشهد( هزيمة ونهاية الكيان ).
غزة دفعت ثمنًا إنسانيًا هائلًا، لا يمكن إنكاره أو التخفيف من قسوته،(وما زالت ) دماء، ودمار، وتجويع، واستهداف مباشر لكل مقومات الحياة، والضفة الغربية لم تكن خارج هذا المشهد، حيث تواصل القتل والاستيطان، والاقتحامات في سياق واحد، يؤكد أن ما يجري ليس ردًا على حدث، بل ممارسة ثابتة لمشروع استعماري لا يعرف إلا القمع، ناهيك عما يجري في القدس وهذا هو ألاساس بالنسبة لهذا الكيان .
لكن في الحقيقة ،الصراعات الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل بنتائجها التاريخية، ومن هذه الزاوية، يتضح أن ما تكسّر في هذه الجولة لم يكن غزة، بل وهم القدرة الصهيونية على فرض المعادلات السياسية بالقوة وحدها.
إقتصاديًا، وجد الكيان نفسه أمام أزمة غير مسبوقة منذ تأسيسه، كلفة الحرب خرجت عن إطار “التحمّل المؤقت”، وتحولت إلى عبء بنيوي طويل الأمد،عجز مالي مرتفع، تباطؤ حاد في النمو، اهتزاز في ثقة الأسواق، وتراجع في صورة الاقتصاد المستقر ،الذي طالما استُخدم كأداة جذب وشرعنة، هذه ليست تفاصيل تقنية، بل مؤشرات على أن الحرب لم تُدار بعقل دولة، بل بعقل مأزوم يبحث عن إنجاز وهمي لتغطية فشل استراتيجي.
قد يقال إن هذه الخسائر لا تعني الكثير، طالما أن دولة الكيان تعتمد تاريخيًا، على الدعم الأميركي والأوروبي، وأن المال الغربي كفيل بتعويض أي نزيف اقتصادي، لكن هذا الطرح يتجاهل تحوّلًا جوهريًا لم يعد بالإمكان إنكاره/ الدعم الغربي لم يعد بلا كلفة داخلية على الدول الداعمة نفسها.
لذلك فإن المشكلة لم تعد في قدرة الولايات المتحدة، وأوروبا على الدفع، بل في قدرتهما على التبرير، فالدعم الذي بُني لعقود على سردية “الدولة الديمقراطية التي تدافع عن نفسها”، تحوّل اليوم إلى عبء سياسي وأخلاقي ثقيل، في ظل شعوب غربية باتت أكثر وعيًا وجرأة،ملايين خرجوا إلى الشوارع، جامعات اهتزت، نقابات وأحزاب ضغطت، وبرلمانات وُضعت في موقع حرج، لأن دافعي الضرائب باتوا يدركون أن أموالهم تُضخ في كيان ،يمارس القتل الجماعي ويقوّض القيم ،التي يدّعي الغرب الدفاع عنها ،هنا لا يعود السؤال: هل تستطيع هذه الدول الاستمرار في دعم الكيان؟
بل: إلى متى تستطيع فعل ذلك ،دون أن تواجه انفجارًا سياسيًا وأخلاقيًا داخل مجتمعاتها؟
فالكيان، بخسائره المتراكمة، لا يستنزف نفسه فقط، بل يستنزف حلفاءه، ويجرّهم إلى أزمة ثقة مع شعوبهم ،لم تكن قائمة بهذا الوضوح من قبل( ولكنها حصلت) .
غير أن الأخطر من المال، هو ما لا يمكن تعويضه بالأرقام للمرة الأولى، يتصدّع من الداخل وهم “الدولة الآمنة”، الهجرة الصهيونية المعاكسة لم تعد حالة فردية أو ظرفية، بل ظاهرة آخذة في الاتساع، مغادرون بلا عودة، مترددون في البقاء، ومهاجرون جدد يعيدون الحسابات. المستوطن الذي جاء إلى فلسطين المحتلة بحثًا عن الأمن والاستقرار، بدأ يكتشف أنه يعيش في كيان لا يعرف إلا الطوارئ الدائمة، ولا يملك أفقًا سوى الحرب.
وهنا تبدأ الخسارة الوجودية الحقيقية، حين يفقد المشروع الاستيطاني قدرته ،على إقناع جمهوره الداخلي.
أما السلاح، الذي شكّل لعقود العمود الفقري للردع الصهيوني، فقد انقلب إلى عبء أخلاقي وسياسي، لم يعد رمز قوة، بل تحوّل إلى شاهد إدانة صور غزة المدمّرة، والأطفال تحت الركام، والمستشفيات المستهدفة، جعلت من هذا السلاح مادة محاكمة عالمية، لا أداة تفوق قد تستمر المصانع في الإنتاج، لكن ما خسره الكيان هو شرعية استخدام القوة نفسها، وهذه خسارة لا تُعوَّض, ولن تُعوَّض، أما على مستوى السردية، جاءت الضربة الأعمق والأخطر.
السردية الصهيونية، التي قامت لعقود على ادعاء المظلومية، والدفاع عن النفس، انهارت أمام واقع موثّق بالصورة والكلمة والشهادة الحية،( والقتل والهمجية على الهواء مباشرة) , جيل جديد في الجامعات الغربية، وجيل السوشيال ميديا عالميًا، لم يعد يبتلع الرواية الجاهزة، ولا يثق بالإعلام التقليدي،الحقيقة خرجت مباشرة من تحت الأنقاض، بلا فلترة ولا تبرير، انكشف الكيان كما هو، كيان قاتل، لا ضحية، مشروع عنف، لا دولة طبيعية، دولة احتلال وقتل ونازية .
لكن انهيار السردية لا يعني انتصار الحقيقة تلقائيًا، فالسرديات لا تموت وحدها، بل قد يُعاد إنتاجها إذا تُرك الفراغ من هنا، تبرز مسؤولية المثقف والأكاديمي والإعلامي الحر،وتحديدآ في بلاد الغرب كما في العالم العربي والإسلامي، وكل من له علاقة بتشكيل الوعي العام، الصمت في هذه اللحظة ليس حيادًا، بل تخلٍّ عن المسؤولية،وأكثر من ذلك ،( خيانة ) إن ترك المساحة فارغة يعني السماح، بإعادة تدوير الكذبة بلغة جديدة وشعارات محدثة.
الدور المطلوب اليوم ليس انفعالًا عاطفيًا، بل عملًا معرفيًا طويل النفس كتابة، توثيق، شرح، تعليم، ومراكمة وعي، وتحويل ما جرى في غزة والضفة، إلى معرفة راسخة في الوعي العالمي، لا إلى موجة تعاطف عابرة، فالمعركة على السردية هي معركة استمرارية، تُحسم بالحضور الدائم لا بالضجيج.
في الضفة الغربية، اكتمل المشهد القمع اليومي، الاستيطان المتسارع، وتطبيع العنف كسياسة، لم يُخضع
الفلسطيني، بل عمّق القناعة بأن ما يجري ليس نزاعًا سياسيًا قابلًا للإدارة، بل استعمارًا كامل الأركان. غزة والضفةوالقدس، معًا، أعادوا تعريف الصراع بوصفه صراع حرية ،في مواجهة مشروع لا يستطيع العيش دون القمع,والقتل, والهمجية بكل أنواعها.
لهذا، فإن ميزان الربح والخسارة ،لا يُقرأ من زاوية الدمار وحده فلسطين تنزف، نعم، لكنها لم تخسر عدالتها، ولا قضيتها، ولا حضورها الأخلاقي.
أما دولة الكيان، فقد خسرت ما هو أخطر من الأرض أو المال:خسرت ألسردية،وخسرت وهم الأمان،وخسرت قدرتها على إقناع الداخل، والخارج بأنها دولة طبيعية.
ما بعد غزة ليس محطة عابرة، بل كسر لمسار كامل. المشاريع الاستعمارية لا تسقط فجأة، لكنها تبدأ بالانهيار حين تفقد معناها، وحين تتحول قوتها إلى عبء، وحين تصبح كلفة دعمها أعلى من كلفة التخلي عنها.
السؤال لم يعد: من انتصر عسكريًا؟
بل: كيف يمكن لكيان فقد شرعيته، وتآكل داخليًا، ويستنزف حلفاءه أخلاقيًا وسياسيًا، أن يستمر كما كان؟
وما بعد غزة…
لم يعد كما قبلها.
