دولي

فرنسا: زمن المحاسبة وزمن الاستيقاظ

بقلم الدكتور جيلبير المجبر

عهدان رئاسيان، وعود وقرارات. والسؤال اليوم: أيّ مستقبل نريد لفرنسا؟

لا يمكن لفرنسا أن تواصل السير مغمضة العينين.

فبلادنا تمتلك تاريخًا استثنائيًا، ومؤسسات راسخة، وشعبًا موهوبًا، وطاقات بشرية كبيرة. ومع اقتراب استحقاق رئاسي جديد، يفرض سؤال جوهري نفسه: هل يعيش الفرنسيون اليوم في البلد الذي كانوا يأملون في بنائه؟

بعد ما يقارب عشر سنوات من رئاسة إيمانويل ماكرون، من المشروع أن نطالب بالمحاسبة على الخيارات المتخذة، والنتائج المحققة، والصعوبات التي لا تزال قائمة. فلا يجوز تقييم الرئيس انطلاقًا من خطاباته ونواياه وقدرته على الدفاع عن قراراته فحسب، بل يجب أيضًا تقييمه وفقًا لنتائج تلك القرارات وانعكاساتها على الوطن.

الأرقام تستحق أن نتوقف عندها. ففي نهاية الربع الثاني من عام 2026، بلغ الدين العام الفرنسي 3,595.5 مليار يورو، أي ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا الواقع يضيّق هامش تحرّك الدولة ويجعل الإدارة المسؤولة للمالية العامة ضرورة لا تحتمل التأجيل.

لكن خلف الأرقام حيواتٌ وأناس.

هناك عائلات تحسب حساب كل نفقة، وعمال يريدون أن يعيشوا بكرامة من رواتبهم، وشباب يتساءلون عن مستقبلهم، ومتقاعدون يخشون تراجع قدرتهم الشرائية، وأصحاب أعمال يسعون إلى الاستثمار، ومواطنون ينتظرون من الخدمات العامة أداءً أفضل.

وهناك أيضًا مطالب مشروعة بالأمن والعدالة واحترام القانون وهيبة الدولة. وهي مطالب ينبغي ألّا تتحوّل إلى وسيلة لتقسيم الفرنسيين، بل إلى تذكير الدولة بمسؤوليتها الأساسية: حماية الحريات، وتطبيق القانون، وضمان المساواة أمام المؤسسات.

لا تنهض دولة حين تطلب من مواطنيها تقديم المزيد من التضحيات باستمرار، من دون أن تثبت لهم أن هذه التضحيات تؤدي إلى نتائج ملموسة.

لنكن منصفين: لا يمكن تحميل رئيس واحد مسؤولية جميع مشكلات بلد بأكمله. فالأزمات الدولية والتطورات الاقتصادية والقرارات التي اتُّخذت قبل وصوله إلى الحكم عوامل مؤثرة أيضًا. لكن هذه الظروف لا تعفي أي مسؤول من تحمّل مسؤولية خياراته ومحاسبته على نتائجها.

هذه هي الديمقراطية تحديدًا.

فالسلطة ليست امتيازًا شخصيًا، ولا إرثًا ينتقل من حاكم إلى خلفه. إنها مسؤولية مؤقتة يمنحها المواطنون لمن ينتخبونه، وتبقى خاضعة لحكمهم ومساءلتهم.

الانتخابات المقبلة يجب ألّا تكون قفزة في المجهول

لا يجوز أن يتحوّل الاستحقاق الرئاسي المقبل إلى مجرد صراع بين أشخاص، أو منافسة في إطلاق الشعارات، أو سباق لتقديم وعود تتبخّر بعد انتهاء الانتخابات.

على الفرنسيين أن يستيقظوا بالمعنى المدني الحقيقي: أن يطّلعوا، ويقارنوا، ويسألوا، ويتحققوا، ويطالبوا.

لم يعد كافيًا أن نستمع إلى ما يعد به المرشح. بل يجب أن نسأله كيف سينفّذ وعوده، وبأي وسائل، وضمن أي جدول زمني، وعلى حساب من ستقع التضحيات المطلوبة.

ماذا يقترح لضبط الدين العام؟ وكيف سيحسّن القدرة الشرائية من دون زيادة إضعاف المالية العامة؟ وكيف سيعزّز الخدمات العامة، ويدعم فرص العمل، ويحمي الفئات الأكثر هشاشة، ويضمن الأمن؟ وما المكانة التي يمنحها للتعليم والصحة والشباب والتماسك الوطني؟

والأهم من ذلك كله: كيف سيحاسب نفسه أمام المواطنين على التزاماته بعد انتخابه؟

يجب طرح هذه الأسئلة على جميع المرشحين بلا استثناء، مهما كانت انتماءاتهم السياسية أو شهرتهم أو قدرتهم على استمالة الجماهير.

هذه المرة، يجب ألّا يمنح الفرنسيون شيكًا على بياض لأي أحد؛ لا لشخص، ولا لحزب، ولا لوعد انتخابي.

فالاقتراع ليس فعل خضوع، بل فعل ثقة. غير أن هذه الثقة يجب أن تبقى واعية، ومتطلبة، وخاضعة للمساءلة الديمقراطية.

التصويت لا يعني التنازل عن التفكير. وانتخاب رئيس لا يعني التخلي عن حق المواطن في مساءلته. ومنح الثقة لا يعني أبدًا التخلي عن المطالبة بالحساب.

علينا أن نتجاوز عادة انتظار وجه جديد كي يحلّ مشكلات قديمة. فرنسا لا تحتاج إلى مشهد سياسي جديد فحسب، بل تحتاج إلى رؤية واضحة، وبرنامج قابل للتنفيذ، وإدارة مسؤولة، ونتائج يمكن قياسها.

إنها تحتاج إلى قادة يعترفون بأخطائهم، ويصغون إلى المواطنين، ويفهمون أن السلطة الحقيقية لا تُقاس بالتعالي ولا بمهارة التواصل الإعلامي.

فرنسا ملك لشعبها

أقول ذلك بكل جدية: الخطر ليس اقتصاديًا أو مؤسساتيًا فحسب، بل هو خطر ديمقراطي أيضًا.

حين يبدأ جزء من المواطنين بالشعور بأن أصواتهم لم تعد مؤثرة، وأن القرارات تُتخذ بعيدًا عنهم، وأن الوعود السياسية باتت متشابهة، فإن الصلة بين الشعب ومؤسساته تصبح مهددة بالضعف.

ولا يمكن استعادة هذه الثقة إلا بالشفافية، والنزاهة، وتحمل المسؤولية، واحترام المواطنين.

يجب ألّا نستسلم لليأس أو الكراهية، وألّا نبحث عن مخلّص استثنائي نعلّق عليه جميع آمالنا. فالديمقراطية المتينة لا تقوم على عبادة القادة، بل على نضج مواطنين قادرين على الاختيار بحرية والحكم بوعي.

لا تزال فرنسا تمتلك مقومات النهوض. لكن هذا النهوض يتطلب الشجاعة، واتخاذ قرارات صعبة، وتوزيع الأعباء بعدالة، وإرادة سياسية تُقاس بالأفعال لا بالتصريحات.

لن يُبنى المستقبل بمحو الماضي، بل باستخلاص الدروس مما نجح، وما أخفق، وما ينبغي تغييره بصورة جذرية.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة، يجب على كل فرنسي أن يدرك حجم المسؤولية المترتبة على اختياره. فالمسألة ليست مجرد استبدال رئيس بآخر، بل تحديد نموذج المجتمع الذي نريده، ومفهوم السلطة الذي نؤمن به، والمستقبل الذي نريد توريثه للأجيال القادمة.

فرنسا ليست ملكًا لأي رئيس. وليست ملكًا لأي حزب. فرنسا ملك لشعبها.

ولهذا الشعب الحق في المطالبة بالمحاسبة، والواجب في التحقق من المعلومات، والمسؤولية في الاختيار عن معرفة ووعي.

على الرئيس المقبل، أيًّا يكن، أن يفهم حقيقة أساسية: إنه لن يتسلّم صكًّا على بياض، بل سيتسلّم مهمة وطنية وتوقعات شعبية ومسؤولية أمام الأمة.

فالثقة لا يمكن المطالبة بها إلى الأبد. إنها تُكتسب، وتُثبت بالأفعال، وتتجدد بالإنجازات.

أيها الفرنسيون، لقد حان الوقت للنظر إلى الواقع كما هو، وتجاوز الشعارات، واستعادة دوركم الكامل في الحياة الديمقراطية. لا تختاروا فقط من يجيد الكلام، بل طالبوا بمعرفة من يستطيع تحمّل مسؤولية أفعاله والتزاماته ونتائجه.

لا تمنحوا ثقتكم من دون ضمانات. ولا تخلطوا بين الوعد والعمل، وبين السلطة والتعالي، وبين التواصل الإعلامي والإنجاز الحقيقي.

يجب ألّا يُكتب الفصل المقبل من تاريخ فرنسا من دونكم.

إن يقظة الأمة تبدأ حين يتوقف مواطنوها عن انتظار المعجزات من قادتهم، ويبدؤون بمطالبتهم بتحمّل المسؤولية وتقديم الحساب.

الدكتور جيلبير المجبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى