
مطار بيروت بين ثغرات السلامة ومطار القليعات: أيُّ دولةٍ نريد للبنان؟
بقلم: السفير الدكتور جيلبير المجبر
ليس من المقبول أن يبقى لبنان أسير الإهمال، ولا أن تتحوّل سلامة المواطنين إلى ملفٍّ مؤجّل، ولا أن تستمرّ الفرص الإنمائية معطّلة فيما يحتاج الوطن إلى كلّ مرفقٍ قادر على تحريك اقتصاده واستعادة الثقة به.
ما كُشف عن الثغرات في إجراءات السلامة والرقابة في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت يطرح أسئلة جدّية تستوجب إجابات واضحة من الجهات المعنية. فبحسب ما نُقل عن تقرير منظمة الطيران المدني الدولي «إيكاو»، برزت ملاحظات تتعلّق بشهادة اعتماد المطار، وخطة الطوارئ، وقدرات الإطفاء، وكفاءة بعض أعمال الرقابة، واستقلالية التحقيق في حوادث الطيران.
هذه ليست مسائل ثانوية، ولا تفاصيل يمكن تجاوزها ببيانٍ إعلامي أو بوعدٍ بمعالجة لاحقة. إنّها مسائل ترتبط مباشرةً بسلامة المسافرين والعاملين، وبثقة شركات الطيران والمجتمع الدولي بقدرة لبنان على إدارة أحد أهمّ مرافقه الحيوية وفق المعايير المطلوبة.
صحيح أنّ الجهات الرسمية أعلنت العمل على معالجة الملاحظات، وهذا أمر ينبغي متابعته وتقييمه على أساس النتائج الفعلية، لكنّ المطلوب هو إعلان الإجراءات المتخذة، والمواعيد المحدّدة لتنفيذها، والجهات المسؤولة عن مراقبتها، والنتائج التي تحقّقت على أرض الواقع.
فالدولة لا تُقاس بقدرتها على إعلان الإجراءات، بل بقدرتها على تنفيذها وضمان استدامتها ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير يثبت وقوعه.
وماذا عن مطار القليعات؟
منذ سنوات، دافعنا عن إعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات، انطلاقًا من إيماننا بأنّ لبنان لا يمكن أن يبقى محصورًا في مركزٍ واحد، ولا أن تُترك مناطق الشمال خارج دائرة الفرص الاقتصادية والإنمائية.
لقد طالبنا بهذا المطار لأنّنا نرى فيه فرصةً لعكّار والشمال ولبنان كلّه، لا مجرّد مشروعٍ لمنطقة بعينها. فتشغيله، متى استُكملت المتطلبات القانونية والفنية ومعايير السلامة، يمكن أن يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية، وخلق فرص عمل، وتشجيع الاستثمارات، ودعم السياحة والتجارة، وتخفيف الاعتماد على مرفقٍ جوي واحد.
مطار القليعات ليس لعكّار وحدها؛ إنّه فرصة للشمال، ومكسب محتمل للاقتصاد اللبناني بأكمله.
إنّ إنماء عكّار والشمال ليس منّةً من أحد، بل حقٌّ لأبنائهما، وضرورة وطنية لدولة تريد أن تحدّ من التفاوت بين مناطقها، وأن تمنح المواطنين فرصًا متكافئة في العمل والاستثمار والتنمية.
ولذلك، فإنّ إعادة تشغيل مطار القليعات ليست بديلًا عن إصلاح مطار بيروت، كما أنّ إصلاح مطار بيروت لا ينبغي أن يكون ذريعةً لتأجيل القليعات إلى أجلٍ غير معلوم. فلكلّ مرفقٍ دوره، ولكلّ منطقةٍ حقّها، وللدولة مسؤولية إدارة الاثنين ضمن رؤية وطنية متكاملة.
قبل المشاريع الجديدة، أين المحاسبة على ما نملكه؟
هنا جوهر القضية.
إذا كانت التقارير قد سجّلت ثغرات في السلامة والرقابة في مطار بيروت، فمن حقّ اللبنانيين أن يسألوا: كيف وصلت الأمور إلى هذا المستوى؟ ما الإجراءات التي اتُّخذت سابقًا؟ هل كانت هناك خطط لمعالجة أوجه القصور؟ ومن المسؤول عن تنفيذها ومراقبتها؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا يجوز اعتبار طرحها إساءةً إلى مؤسسة وطنية. على العكس، إنّ حماية المؤسسات تبدأ بكشف مواطن الخلل ومعالجتها، لا بالتستّر عليها أو الاكتفاء بالدفاع عنها بالشعارات.
وفي الوقت نفسه، إذا كانت الدولة تتّجه إلى تطوير مطار القليعات وتشغيله، فمن حقّ المواطنين أيضًا أن يعرفوا خطّة التنفيذ، وكلفة المشروع، ومصادر تمويله، ومتطلبات السلامة، والجدول الزمني، والجهات التي ستتولى إدارته ومراقبته.
نحن لا نعارض تطوير المرافق العامة، بل نطالب بأن تكون المشاريع مدروسة، وأن تخضع للشفافية والرقابة، وأن تُنفّذ وفق معايير واضحة، بعيدًا عن الهدر والمحاصصة والمصالح الضيّقة.
لا يكفي أن نبني أو نفتتح؛ المطلوب أن نحسن الإدارة، ونضمن السلامة، ونحاسب عند التقصير.
لا مركزية تخنق المناطق، ولا إنماء بلا معايير
إنّ تطوير مطار القليعات يحمل بُعدًا يتجاوز قطاع الطيران. فهو يرتبط بمستقبل الشمال، وبقدرة الدولة على توزيع الفرص الاقتصادية، وبإعادة الاعتبار إلى المناطق التي عانت طويلًا من نقص المشاريع والخدمات والاستثمارات.
لكنّ الإنماء الحقيقي لا يقوم على التمييز بين منطقة وأخرى، ولا على وضع مطار في مواجهة مطار. إنّه يقوم على التكامل بين المرافق، وتحديد حاجات البلاد، والاستفادة من الإمكانات المتاحة، وإخضاع كل مشروع لدراسة جدوى اقتصادية واضحة.
نريد مطار بيروت آمنًا ومتطورًا، ومطار القليعات جاهزًا للعمل وفق المعايير الدولية، ونريد كذلك إدارةً مسؤولةً للمرافق العامة، تحمي المال العام وتضع مصلحة المواطنين فوق الاعتبارات السياسية والمناطقية.
فإذا كان لبنان بحاجة إلى أكثر من مرفق جوي لتلبية حاجاته الاقتصادية والجغرافية، فلتكن القرارات مبنية على الدراسات والوقائع. وإذا ظهرت ثغرات في السلامة، فلتُعالج فورًا وفق الأصول والمعايير الدولية. وإذا ثبت وجود تقصير، فلتُحدّد المسؤوليات وفق القانون.
هذه هي الدولة التي نريدها: دولة لا تهرب من الأسئلة، ولا تؤجّل الإصلاح، ولا تجعل المناطق رهينة الوعود، ولا تتعامل مع حياة الإنسان باعتبارها تفصيلًا إداريًا.
رسالتنا واضحة
لقد دافعنا عن مطار القليعات منذ سنوات، لأنّنا نؤمن بأنّ عكّار والشمال جزءٌ أساسي من لبنان، وأنّ إنماءهما يعود بالنفع على الوطن بأكمله.
واليوم، نؤكّد أنّ إعادة تشغيل القليعات يجب أن تسير بالتوازي مع معالجة الملاحظات المتعلقة بمطار بيروت، ومع تعزيز الرقابة المستقلة، وتطبيق معايير السلامة، وضمان الشفافية والمحاسبة في إدارة المرافق العامة.
لا نريد مطارات على الورق، ولا مشاريع تُعلَن ثم تتعثّر، ولا وعودًا تتكرّر من دون نتائج. نريد عملًا جديًا، وإدارةً كفوءة، ومؤسساتٍ تحترم القانون، وخططًا واضحة يستطيع المواطن أن يحاسب المسؤولين على تنفيذها.
عكّار تستحق، والشمال يستحق، وبيروت تستحق، ولبنان كلّه يستحق دولةً تحمي الإنسان وتُحسن إدارة مقدّراته.
فالأوطان لا تُبنى بإهمال ما هو قائم، ولا بتعطيل ما يمكن أن ينمو، بل بإصلاح الخلل، واستثمار الإمكانات، وتوزيع الفرص بعدالة، ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
القليعات للشمال، والشمال للبنان، وسلامة الإنسان مسؤولية الدولة في كلّ لبنان.
السفير الدكتور جيلبير المجبر
#مطار_القليعات #مطار_بيروت #عكار #الشمال #لبنان #الإنماء_المتوازن #سلامة_الطيران #الشفافية #المحاسبة #المصلحة_الوطنية
