مقالات

سقوط القوانين الدولية: الاستيطان كأمر واقع وجنوب لبنان على حافة التكرار \ رولى المراد

لم تعد الأزمة في جنوب لبنان مجرد نزاع حدودي أو توتر أمني عابر، بل باتت انعكاساً عميقاً لانهيار منظومة القانون الدولي أمام مشروع قائم على القوة والتوسع. في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يحدث في الجنوب عن التجربة الأخطر التي كرّسها العدو الإسرائيلي في فلسطين، حيث تحوّل الاستيطان من خرقٍ للقانون إلى سياسة ممنهجة تُفرض على الأرض، ثم يُسعى إلى تثبيتها عبر الأمر الواقع والتوقيع السياسي.
لقد أثبتت التجربة في الضفة الغربية أن الاستيطان ليس مجرد بناء مساكن، بل هو أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا، وفرض واقع جديد يُصعّب أي عودة إلى ما كان. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الواقع إلى “حقيقة سياسية” يُطلب من العالم الاعتراف بها، رغم تعارضها الصارخ مع مبادئ الأمم المتحدة وقراراتها، ومع روح اتفاقيات جنيف التي تحظر نقل السكان إلى الأراضي المحتلة.
هذا النموذج يطرح سؤالاً خطيراً على جنوب لبنان: هل يمكن أن يتكرر السيناريو؟ هل يصبح التعدي المؤقت تمهيداً لفرض وقائع دائمة؟ التاريخ القريب، من الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982 إلى سنوات الاحتلال، يُظهر أن الخطر ليس نظرياً. فالعقيدة الأمنية الإسرائيلية، القائمة على الردع والسيطرة، لا تنفصل عن منطق توسيع النفوذ وخلق مناطق عازلة تتحول تدريجياً إلى مساحات خاضعة لأمر واقع جديد.
في ظل هذا المشهد، يبدو القانون الدولي عاجزاً عن المواجهة. قرارات مثل قرار مجلس الأمن 1701، التي نصّت على وقف الأعمال العدائية واحترام السيادة اللبنانية، بقيت دون تنفيذ حاسم، ما يفتح الباب أمام تكرار الانتهاكات. وهنا تكمن المشكلة: حين لا يُطبَّق القانون، يتحول الخرق إلى سابقة، والسابقة إلى نهج.
أما الأخطر، فهو ما يمكن تسميته بـ“شرعنة الأمر الواقع عبر التوقيع”. هذا ما حدث في محطات عدة في الصراع، حيث يُفرض واقع بالقوة، ثم يُدفع نحو تسويات تُكرّسه، لا تُنهيه. هكذا يتحول التوقيع من أداة لحماية الحقوق إلى وسيلة لتثبيت خسارتها. في فلسطين، لم يكن الخطر فقط في الاستيطان، بل في تحويله مع الوقت إلى جزء من معادلة سياسية يُساوَم عليها، بدل أن يُرفض كلياً.
جنوب لبنان يقف اليوم أمام هذا المفترق. فإما أن يبقى تحت مظلة السيادة الكاملة، أو أن يُترك عرضة لتدرج خطير يبدأ بانتهاكات، ويمرّ بمناطق نفوذ، وقد ينتهي—إن غاب الردع—بفرض وقائع يصعب التراجع عنها. هنا، لا يعود الحديث عن أرض فقط، بل عن هوية وحق ووجود.
في المقابل، يبقى الإنسان الجنوبي في قلب هذه المعادلة. هو من يدفع الثمن، وهو من يُطلب منه الصمود. لكن الصمود وحده لا يكفي إذا لم يُدعَم بإرادة سياسية واضحة، وبموقف دولي يرفض منطق الاستيطان كلياً، لا أن يتعامل معه كأمر قابل للتفاوض.
في النهاية، ما يحدث في جنوب لبنان ليس معزولاً عن سياق أوسع، بل هو جزء من اختبار حقيقي للنظام الدولي: هل يبقى الاستيطان جريمة تُدان، أم يتحول إلى سياسة تُدار؟ وهل يبقى التوقيع ضمانة للحقوق، أم يصبح أداة لتكريس الأمر الواقع؟
بين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. وإذا لم يُستعد الاعتبار للقانون، فإن الخطر لا يكمن فقط في خسارة الأرض، بل في خسارة المعنى—معنى العدالة، ومعنى السيادة، ومعنى أن يكون للإنسان حق لا يُنتزع بالقوة ولا يُساوَم عليه بالتوقيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى