مقالات

الأمن الاعلامي مسؤولية وطنية

بقلم ليلى شحود تيشوري

بقلم ليلى شحود تيشوري

​في عالم الديمقراطيات العريقة، تبرز حرية التعبير كأسمى تجليات السيادة الفردية، إلا أن القراءة العميق لسسيولوجيا المجتمعات القائمة على التوازنات الدقيقة تكشف أن الكلمة ليست مجرد ذبذبات صوتية أو حروف ، بل هي كائن حي قادر على التشييد كما هو قادر على التقويض.

إن الممارسة الرشيدة للحريات العامة لا تستقيم إلا حين تنضبط بإيقاع المسؤولية الوطنية، وحين تدرك بوعي تام أن التعدي على السلم الأهلي تحت مسمى “الحرية” هو في جوهره انتحار للقيم يهدد المظلة التي تحمي الجميع. فالخيط الفاصل بين النقد البناء الذي يقوم الاعوجاج، وبين الخطاب التحريضي الذي يمزق النسيج الاجتماعي، هو خيط رفيع تفرضه أخلاقيات المهنة وقواعد المواطنة قبل أن تفرضه نصوص القوانين الزجرية.

​إن ما نشهده اليوم من تجاوزات تخرج عن الأطر الإعلامية الرصينة لتنزلق نحو إثارة الفتن، يستوجب وقفة تأملية تعيد الاعتبار لمفهوم “الأمن الإعلامي” كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي الشامل.

فالحرية في أصلها الفلسفي هي “فعل بناء”، وإذا ما استخدمت كمعول لهدم جسور الثقة بين مكونات المجتمع، فإنها تفقد شرعيتها الأخلاقية وتتحول إلى أداة فوضى. من هنا، تصبح الإجراءات الهادفة لضبط هذا المسار ليست كما للأفواه، بل هي حماية للحق العام في العيش ضمن بيئة آمنة ومستقرة.

فالكلمة في مجتمعاتنا هي ميزان الذهب، وصيانتها من الانحراف نحو مسارات التفتيت هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الحوار الحضاري، وتكريس واقع لا تنتهك فيه الحرمات المجتمعية تحت وطأة الانفعال أو الأجندات العابرة، ليبقى السلم الأهلي هو الاساس والخلفية الثابتة لكل حراك فكري أو إعلامي حر.

​وعليه، فإن الرهان الحقيقي في مواجهة هذا الانفلات لا يقع على عاتق المشرع وحده، بل يمتد ليشمل الوعي الجمعي للجمهور الذي بات اليوم شريكا أصيلا في صناعة المشهد الإعلامي وتداوله.

إن المتلقي هو خط الدفاع الأول وصمام الأمان الذي يملك قدرة فطرية على كبح جماح الإشاعات ووأدها في مهدها، وذلك من خلال ممارسة “الرقابة الذاتية” والترفع عن الانقياد خلف الخطابات الغوغائية التي تتغذى على الفتنة.

إن استعادة الأمان تبدأ من اللحظة التي يرفض فيها المجتمع أن يكون وعاء للصراعات الضيقة، ليتحول كل فرد فيه إلى رقيب أخلاقي يدرك أن صيانة الاستقرار هي أغلى ما نملك، وأن الحقيقة وحدها هي التي تحررنا، أما الزيف فلا يورث إلا التفتت والضياع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى