مقالات

الشرق الأوسط وصراع السرديات الدولية \ د. زياد منصور \ المصدر موقع السؤال

في أوقات الأزمات الكبرى تميل النقاشات السياسية والإعلامية إلى إنتاج سرديات واسعة تحاول تفسير الأحداث المتلاحقة ضمن إطار موحد وشامل. وفي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، ظهرت روايات سياسية تسعى إلى ربط سلسلة من الوقائع الممتدة منذ منتصف العقد الماضي وصولًا إلى الأحداث الحالية، معتبرة أن المنطقة تعيش لحظة فاصلة في تاريخها الحديث.

وتستند هذه السرديات إلى تسلسل من الوقائع السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، وتقدمها بوصفها مراحل متتابعة في مسار صراع طويل بين القوى الإقليمية والدولية.

هذا النمط من التفسير ليس جديدًا في التاريخ السياسي. فالأزمات الكبرى غالبًا ما تنتج محاولات فكرية لتفسيرها ضمن إطار شامل. حدث ذلك خلال الحربين العالميتين، ثم خلال الحرب الباردة، وهو يتكرر اليوم في الشرق الأوسط حيث تتقاطع الصراعات المحلية مع تنافس القوى الكبرى.

فالشرق الأوسط لم يعد مجرد مسرح نزاعات إقليمية، بل أصبح عقدة استراتيجية في التنافس العالمي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، إضافة إلى القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج.

2015: لحظة التحول الكبرى في النظام الإقليمي

تضع بعض التحليلات نقطة البداية في عام 2015، الذي شهد حدثين بارزين أثّرا في التوازنات الإقليمية.

الأول، كان توقيع الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى، وهو اتفاق هدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات الدولية.

كما شهد العام نفسه تحولًا مهمًا في الحرب السورية عندما تدخلت روسيا عسكريًا في سبتمبر-أيلول 2015 لدعم الحكومة السورية، بعد مشاورات عسكرية وسياسية مع إيران التي كانت تدعم دمشق بالفعل بقوات ومستشارين عسكريين.

هذه الوقائع موثقة في الوثائق الدولية والتغطيات الصحفية المعتمدة. فقد نشر مجلس الأمن الدولي نص القرار رقم 2231 الذي أقر الاتفاق النووي عام 2015، كما أشارت تقارير صحفية إلى أن زيارة قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني إلى موسكو في العام نفسه ساهمت في تنسيق التدخل الروسي في سوريا.

وقد أعقب ذلك تدخل عسكري روسي في سوريا، حيث تولت موسكو الدور الجوي الأساسي بينما استمرت القوات المدعومة من إيران في العمليات البرية. ونتيجة لهذا التنسيق تحولت سوريا إلى ساحة نفوذ مشتركة بين الطرفين، مع حضور عسكري روسي متزايد في شرق المتوسط.

ولم يكن التدخل الروسي في سوريا مجرد دعم لنظام حليف، بل كان خطوة استراتيجية لإعادة تثبيت موقع روسيا كقوة دولية فاعلة في الشرق الأوسط بعد سنوات من التراجع منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. فمن خلال القواعد العسكرية في حميميم وطرطوس استطاعت موسكو تثبيت وجود دائم لها في شرق المتوسط، وهو ما أعادها إلى قلب المعادلة الجيوسياسية في المنطقة.

التحالفات المعقدة وتوازنات القوة

خلال سنوات الحرب السورية برزت العلاقة بين روسيا وإيران بوصفها شراكة سياسية وعسكرية مهمة. غير أن هذه العلاقة لم تكن خالية من التوترات، إذ سعت كل دولة إلى تعزيز نفوذها داخل سوريا بطرق مختلفة.

وفي هذا السياق تُطرح قراءة ترى أن موسكو تمكنت تدريجيًا من توسيع تأثيرها في القرار العسكري والسياسي داخل سوريا، بينما بقيت إيران تعتمد على شبكة من الحلفاء المحليين والقوى الحليفة على الأرض.

كما ترتبط هذه المرحلة بسلسلة من الأحداث الإقليمية والدولية التي أعادت تشكيل المشهد السياسي، من بينها اغتيال قاسم سليماني عام 2020، وتطور الأزمة الأوكرانية التي تحولت لاحقًا إلى حرب واسعة بين روسيا والغرب.

وقد شكل اغتيال سليماني نقطة تحول في توازنات النفوذ داخل محور إيران الإقليمي، حيث كان الرجل يشكل مهندس السياسة العسكرية الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان.

وفي الوقت نفسه أدى تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، خاصة بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 ثم الحرب في أوكرانيا عام 2022، إلى تعميق الاستقطاب الدولي، وهو ما انعكس بدوره على الشرق الأوسط.

صدمة 7 أكتوبر 2023 وإعادة ترتيب الأولويات الدولية

مع اندلاع الهجوم الكبير الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر-تشرين الأول 2023 دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد.

وقد فسّر بعض المحللين هذا الحدث بوصفه عملية عسكرية فلسطينية بدعم إيراني، بينما ظهرت قراءات أخرى تربطه بإعادة تشكيل أولويات القوى الغربية وتحويل الاهتمام الدولي من الحرب في أوكرانيا إلى الصراع في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق تطرح بعض التفسيرات فكرة أن الأحداث اللاحقة كشفت عن تعقيدات في العلاقات بين القوى الدولية والإقليمية، وأنها دفعت بعض الأطراف إلى إعادة تقييم تحالفاتها ومواقفها السياسية.

لقد ساعد اعتقاد بأن عملية 7 أكتوبر 2023 كانت “مستنقعًا حضَّرته روسيا” صُمّم لتحويل الدعم الغربي من أوكرانيا إلى إسرائيل، وهذا الطرح جرى تداوله بين المحللين، لكنه بلا سند موثوق.

فالمعروف أن الولايات المتحدة قالت إنه لا توجد لديها أدلة على أن إيران أمرت أو خططت للهجوم، مع تأكيدها أن طهران مسؤولة على نحو أوسع بحكم دعمها الطويل لحماس.

هذا لا يساوي إطلاقًا إثبات دور روسي تخطيطي. وبحسب ما أمكن العثور عليه من مصادر موثوقة، لا توجد أدلة عامة منشورة تثبت أن موسكو خططت لهجوم 7 أكتوبر.

سلسلة الأحداث التي أعادت تشكيل المنطقة

ترافق التصعيد الإقليمي مع سلسلة من التطورات الدراماتيكية التي عززت الشعور بأن المنطقة تمر بمرحلة إعادة ترتيب واسعة.

ومن بين هذه الأحداث حادثة مقتل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحية عام 2024، وهي حادثة أثارت الكثير من التساؤلات في النقاشات السياسية.

كما شهدت المنطقة حوادث أمنية متعددة في لبنان، وتزايدت التوترات داخل سوريا مع تغيرات كبيرة في موازين القوى هناك، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى انهيار سريع للنظام السوري وفرار الرئيس بشار الأسد إلى روسيا.

نعم، سقط نظام بشار الأسد في ديسمبر- كانون الأول 2024 بسرعة لافتة، وفرّ الأسد إلى روسيا. لكن الاستنتاج بأن موسكو “رفعت الحماية” عن إيران عمدًا يحتاج إلى أكثر من مجرد استنتاج جازم.

رويترز أظهرت أن الكرملين كان قبل أيام من سقوط دمشق لا يزال يعلن دعمه للأسد، بينما ركزت التفسيرات على تلاقي عوامل ميدانية وسياسية داخلية وإقليمية، لا على “مؤامرة روسية أحادية” لتصفية الإيرانيين.

لقد فسّر بعض المتابعين هذا التطور على أنه نتيجة لتحولات في مواقف القوى الدولية والإقليمية، بينما رأى آخرون أنه يعكس تراكمات طويلة من الصراع الداخلي في سوريا. وقد ترافق التصعيد الإقليمي أيضًا مع سلسلة من التطورات الدراماتيكية التي عززت الشعور بأن المنطقة تمر بمرحلة إعادة ترتيب واسعة.

ومن بين هذه الأحداث حادثة مقتل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحية عام 2024، وهي حادثة أثارت الكثير من التساؤلات في النقاشات السياسية على أنها جزء من سلسلة اغتيالات غامضة مرتبطة بالصراع الدولي. غير أن التقارير الأولية الرسمية التي نشرتها وسائل إعلام دولية أشارت إلى أن التحقيقات لم تجد دلائل على عمل تخريبي في حادث تحطم المروحية، وأن الظروف الجوية الصعبة والتضاريس الجبلية كانت من العوامل المحتملة للحادث.

الحرب الإسرائيلية-الإيرانية في 2025

بلغ التصعيد ذروته عندما اندلعت مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وإيران في عام 2025 استمرت اثني عشر يومًا. وخلال هذه الحرب تعرضت منشآت عسكرية ومواقع استراتيجية في إيران لضربات دقيقة، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول حجم الاختراقات الاستخبارية داخل البنية العسكرية الإيرانية.

وقد انتشرت في النقاشات السياسية تفسيرات متعددة لهذه التطورات، من بينها فرضيات تتحدث عن تسريب معلومات حساسة أو تحولات في مواقف بعض الحلفاء الإقليميين. لقد تحدثت تقارير عن اختراقات استخبارية كبيرة وضعف في قدرة إيران على حماية بعض بنيتها العسكرية.

لكن هناك من يضيف تفصيلًا حاسمًا، رغم أنه غير مدعم بالوثائق ومفاده: أن بشار الأسد سلّم الإسرائيليين الخرائط والمخططات الإيرانية مقابل خروجه الآمن. وحتى الآن لا يوجد مصدر موثوق يثبت هذا الادعاء تحديدًا.

لذلك فالمشروع هنا هو توسيع حقيقة عامة – وجود اختراقات – إلى رواية تفصيلية غير موثقة.

توسع الصراع إلى الخليج وإعادة طرح سؤال الطاقة

مع استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بدأت المواجهة تتوسع تدريجيًا لتشمل مناطق أخرى في الخليج. وشهدت المنطقة تصاعدًا في الهجمات الصاروخية وتهديدات للملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، إضافة إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية. وقد أدت هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار النفط وتعزيز المخاوف من أزمة طاقة عالمية، خاصة في ظل احتمال تعطّل حركة التجارة عبر المضائق البحرية الحيوية.

فمضيق هرمز يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط البحرية في العالم، وأي تهديد للملاحة فيه يمكن أن ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.

وفي خضم هذه الأحداث برزت تحليلات متعددة تحاول تفسير المواقف المختلفة للقوى الكبرى. فبعضها يشير إلى أن الولايات المتحدة تجد نفسها مضطرة إلى الانخراط في الصراع بسبب التزاماتها الأمنية في المنطقة، بينما يرى آخرون أن القوى الدولية الصاعدة تراقب التطورات بحذر وتفضّل تجنب التدخل العسكري المباشر. كما ظهرت نقاشات سياسية تربط بين بعض القرارات الدولية وبين ملفات سياسية داخلية في عدد من الدول الكبرى، وهو ما يعكس مدى تعقيد المشهد السياسي العالمي في هذه المرحلة.

الخليج بين القوة المالية والهشاشة الجيوسياسية

وفي خضم هذه الأحداث برزت تساؤلات حول مستقبل الدور الاقتصادي والمالي لدول الخليج، خاصة المراكز المالية الكبرى مثل دبي والدوحة. فهذه المدن تحولت خلال العقود الأخيرة إلى محاور للتجارة والاستثمار العالميين، لكن أي اضطراب طويل الأمد في الأمن الإقليمي يمكن أن يؤثر في تدفقات رأس المال والاستثمارات الدولية.

دبي على سبيل المثال أصبحت مركزًا ماليًا عالميًا يستقطب الشركات متعددة الجنسيات ورؤوس الأموال الدولية. أما قطر فقد تحولت إلى أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، وهو ما يمنحها موقعًا مهمًا في معادلة الطاقة العالمية.

غير أن استمرار التوترات الإقليمية يطرح تساؤلات حول قدرة هذه المراكز الاقتصادية على الحفاظ على موقعها في ظل بيئة جيوسياسية مضطربة.

الصين بين الاستفادة من الحرب والخسارة

من المعقول تحليليًا القول إن الصين قد تستفيد من إنهاك خصومها أو من اضطراب أسواق الطاقة على المدى القصير أو من تعاظم اعتماد بعض الأطراف عليها. لكن البعض يقدّم الصين كفاعل خفي متحكم في المشهد من بعيد. هذه صياغة تتجاوز الأدلة.

الدراسات والتحليلات الرصينة تميل إلى وصف سلوك بكين وموسكو في هذه الحرب بأنه حذر وبراغماتي، لا كأنه هندسة شاملة لمسار الحرب من خلف الستار. فالصين تعتمد أساسًا على الاستقرار في طرق التجارة العالمية، وخاصة مبادرة الحزام والطريق، ولذلك فإن أي اضطراب طويل في الشرق الأوسط قد يضر بمصالحها الاقتصادية بقدر ما قد يمنحها فرصًا سياسية.

تأثيرات الأزمة على الدول العربية المحورية

لم تقتصر تداعيات التوترات الإقليمية على مناطق الحرب المباشرة، بل امتدت إلى دول عربية أخرى تعد محورية في التوازن الإقليمي. فالأردن ومصر يواجهان تحديات اقتصادية وسياسية متزايدة في ظل الضغوط الإقليمية وتداعيات الحروب المجاورة، الأمر الذي يثير نقاشًا حول قدرة الأنظمة السياسية في هذه الدول على الحفاظ على الاستقرار في ظل بيئة إقليمية متغيرة.

وفي الوقت نفسه يظل لبنان إحدى أكثر الساحات هشاشة في الشرق الأوسط، حيث تتداخل فيه التوترات الإقليمية مع أزماته الداخلية العميقة.

وقد أثارت التطورات العسكرية المتكررة على حدوده الجنوبية مخاوف من احتمال توسع الصراع أو فرض وقائع ميدانية جديدة قد تؤثر في سيادة أراضيه.

أما العراق، الذي كان منذ بداية القرن الحادي والعشرين إحدى أهم ساحات الصراع الإقليمي والدولي، فيبقى عنصرًا مركزيًا في أي إعادة تشكيل محتملة للمنطقة. فموقعه الجغرافي وتركيبته السياسية يجعلان منه ساحة تنافس مستمر بين القوى الإقليمية والدولية، وهو ما يدفع بعض المحللين إلى وصفه بأنه الحلقة الأكثر حساسية في توازنات الشرق الأوسط.

مواقف القوى الكبرى ومستقبل التوازن الدولي

في خضم هذه التحولات يظل موقف القوى الكبرى عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الأحداث. فروسيا التي انخرطت بعمق في صراعات الشرق الأوسط خلال العقد الماضي تواجه بدورها تحديات استراتيجية واقتصادية نتيجة الصراعات الدولية الأخرى، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على حضورها الإقليمي في المدى الطويل.

وفي المقابل تبقى إسرائيل لاعبًا أساسيًا في المعادلة الإقليمية، حيث تعتمد استراتيجيتها الأمنية على التفوق العسكري والتحالفات الدولية.

ومع ذلك يطرح بعض المحللين سؤالًا حول قدرة أي دولة – مهما كانت قوتها – على خوض حرب طويلة الأمد في بيئة إقليمية متقلبة دون أن تتعرض لضغوط سياسية واقتصادية متزايدة. وبالتالي فإن إسرائيل معرضة لجملة من الاهتزازات الكبرى في المدى المنظور.

نحو شرق أوسط جديد؟

خلاصة القول، إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم يعكس مرحلة من التحولات العميقة التي قد تؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية في المنطقة. فالتنافس بين القوى الكبرى، وتغير التحالفات، وتصاعد الصراعات العسكرية، إضافة إلى التحديات الاقتصادية، كلها عوامل تجعل المشهد السياسي أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

وفي ظل هذه التحولات تبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل النظام الإقليمي، ودور المراكز الاقتصادية في الخليج، واستقرار الدول العربية المحورية، إضافة إلى مآلات الصراع بين القوى الإقليمية والدولية.

وما يزال من المبكر الجزم بالشكل الذي ستتخذه المنطقة في السنوات القادمة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة تاريخية قد تعيد رسم خريطته السياسية والاقتصادية من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى