عربي

رسالة إدانة وتضامن إلى جلالة الملك عبد الله الثاني وسموّ وليّ العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني

حماية الإنسان وصون حرمة دور العبادة مسؤولية لا تقبل التهاون

إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، حفظه الله ورعاه،

وإلى مقام صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وليّ العهد، حفظه الله،

الموضوع: إدانة الاعتداء على الكنيسة والتضامن مع الأردن وشعبه دفاعًا عن الحق في الحياة وحرية المعتقد.

جلالة الملك، سموّ وليّ العهد،

أتوجّه إليكما بهذه الرسالة انطلاقًا من محبّتي الصادقة للمملكة الأردنية الهاشمية وشعبها العزيز، ومن إيماني الراسخ بأنّ الدفاع عن كرامة الإنسان وحماية حياته وصون حرية معتقده ليست مواقف ظرفية، بل مسؤوليات أخلاقية وحقوقية لا يجوز التراجع عنها أمام أيّ اعتبار.

إنّ الاعتداء الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في محافظة الكرك، وما خلّفه من ضحايا ومصابين وألم في قلوب العائلات، قد أثار في نفسي بالغ الحزن والاستنكار. وإنني، بصفتي الحقوقية والإنسانية، أدين هذا الاعتداء بأشدّ العبارات، وأؤكد أنّ استهداف الأبرياء في مكان للعبادة أو أثناء مراسم تشييع يمثّل مساسًا جسيمًا بالحق في الحياة، وحرية المعتقد، وكرامة الإنسان، وأمن المجتمع.

لا توجد قضية تبرّر قتل الأبرياء، ولا عقيدة تبيح سفك الدماء، ولا خلاف يمنح أحدًا حقّ الاعتداء على إنسان آمن أو انتهاك حرمة مكان للعبادة.

جلالة الملك، سموّ وليّ العهد،

إنّ محبّتي للأردن ليست مجرّد تقدير لبلد عربي عزيز، بل علاقة إنسانية صادقة تجمعني بشعبه، ولي في هذا البلد أصدقاء ومعارف من مختلف الأديان، أعتزّ بهم وأتمنّى لهم جميعًا الأمن والاستقرار. ولذلك، فإنّ ما يصيب الأردن يمسّني إنسانيًا، وما يصيب أبناءه من ألم يدفعني إلى التعبير عن تضامني معهم، بعيدًا عن أيّ حسابات أو اعتبارات ضيّقة.

إنّني أؤمن بأنّ الأوطان لا تُبنى على الانتماء الديني وحده، بل على المواطنة والكرامة المتساوية واحترام الحقوق. فالمسيحي الأردني ليس غريبًا في وطنه، والمسلم الأردني ليس منفصلًا عن أخيه المسيحي؛ كلاهما شريك في تاريخ الأردن وحاضره ومستقبله، وكلاهما يستحقّ الحماية والأمان والعدالة دون تمييز.

إنّ الاعتداء على كنيسة ليس شأنًا يخصّ المسيحيين وحدهم، تمامًا كما أنّ الاعتداء على مسجد ليس شأنًا يخصّ المسلمين وحدهم. إنّه اعتداء على حرية الإنسان، وعلى حقّ المجتمع في أن يعيش آمنًا، وعلى المبادئ التي ينبغي أن تحكم علاقة المواطنين بعضهم ببعض.

ومن هذا المنطلق، فإنّني أؤكد أنّ مواجهة هذه الجريمة تقتضي كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات استنادًا إلى الأدلة، ومحاسبة كلّ من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية دور العبادة والتجمّعات الدينية، ومنع تكرار مثل هذه الاعتداءات.

كما أؤكد أنّ العدالة يجب أن تكون حازمة، ولكنها لا تكون انتقامًا؛ وأنّ المسؤولية يجب أن تُحدّد بالأدلة، لا بالتعميم؛ وأنّ حماية المجتمع تقتضي رفض الإرهاب والتطرّف والتحريض الطائفي، من دون تحميل أيّ جماعة دينية مسؤولية أفعال أشخاص لمجرد انتمائهم إليها.

جلالة الملك، سموّ وليّ العهد،

إنّ قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الجريمة، بل كذلك بقدرتها على حماية مواطنيها، وصون حقوقهم، وترسيخ ثقتهم بمؤسساتها، وضمان ألّا يصبح اختلاف الدين سببًا للخوف أو التمييز أو الإقصاء.

وإنّ الأردن، بما له من مكانة عربية وإنسانية، يستحقّ أن يبقى وطنًا آمنًا لجميع أبنائه، وأن تظلّ وحدته الوطنية حصنًا في وجه كلّ محاولة لإثارة الفتنة أو زرع الكراهية. فالتعايش ليس شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل ممارسة يومية تقوم على المساواة في الحقوق، واحترام الآخر، وتطبيق القانون على الجميع.

ومن موقعي الحقوقي، أرى أنّ الواجب اليوم يقتضي الوقوف إلى جانب عائلات الضحايا والمصابين، وتقديم الدعم اللازم لهم، وضمان حقّهم في معرفة الحقيقة والإنصاف، إلى جانب تعزيز الإجراءات الوقائية التي تحمي دور العبادة وتكفل للمواطنين ممارسة شعائرهم بأمان وكرامة.

إنّ التساهل مع العنف ليس تسامحًا، والصمت عن الظلم ليس حكمة، والتعايش الحقيقي لا يقوم على تجاهل الجريمة، بل على مواجهتها بالعدالة، وحماية الإنسان، وصون حقوقه دون استثناء.

وإلى الأجيال الأردنية القادمة، أوجّه رسالة واضحة: إنّ قيمة الوطن لا تكمن في غياب الاختلاف بين أبنائه، بل في قدرتهم على تحويل اختلافهم إلى غنى إنساني، وعلى حماية بعضهم بعضًا حين تتعرّض الحياة والكرامة والحرية للخطر.

فالأوطان التي تحفظ حقوق جميع مواطنيها تترك للأجيال إرثًا من الثقة والعدالة، أمّا الأوطان التي تسمح للخوف والكراهية بأن يحكما العلاقات بين أبنائها، فإنها تترك جراحًا يصعب التئامها.

جلالة الملك، سموّ وليّ العهد،

إنّني أكتب إليكما بدافع المحبّة للأردن، والوفاء لمبادئ حقوق الإنسان، والإيمان بأنّ التضامن الحقيقي يظهر في لحظات المحن. وأجدّد إدانتي الصريحة لهذا الاعتداء، وتضامني مع الشعب الأردني بكلّ مكوّناته، وتعازيّ لعائلات الضحايا، وتمنّياتي بالشفاء العاجل للمصابين.

وأؤكد أنّ الدفاع عن حرمة الكنائس والمساجد، وعن حقّ الإنسان في الحياة والعبادة والأمان، هو دفاع عن الأردن، وعن قيمه الوطنية، وعن مستقبل المنطقة بأسرها.

حفظ الله المملكة الأردنية الهاشمية، وحفظ جلالة الملك وسموّ وليّ العهد، وصان الشعب الأردني بكلّ مكوّناته، وألهم عائلات الضحايا الصبر والقوة، ومنح المصابين الشفاء، وجعل العدالة أقوى من العنف، والوحدة أقوى من الفتنة، والكرامة الإنسانية فوق كلّ اعتبار.

وتفضّلا بقبول فائق الاحترام والتقدير.

السفير الدكتور جيلبير المجبر
رئيس جمعية المودّة لحقوق الإنسان

رسالة حقوقية وإنسانية دفاعًا عن الحق في الحياة، وحرية المعتقد، وحرمة دور العبادة، والتعايش السلمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى