
حين يفقد الإنسان بوصلته… لا يعود السؤال عن الخطأ كافيًابقلم د. جيلبير المجبر
ليست السياسة مجرد إدارة شؤون عامة، بل هي في جوهرها اختبار دائم للضمير حين يواجه السلطة، وللإنسان حين يُدفع بين ما يعرف أنه صحيح وما يُفرض عليه باعتباره ضروريًا. وفي هذا الفاصل الدقيق، لا تكون المشكلة الكبرى في الخطأ نفسه، بل في الطريقة التي يتحول بها الخطأ مع الزمن من استثناء إلى نمط، ومن فعلٍ يُستغرب إلى واقعٍ يُتعايش معه.
في البداية، تكون الحدود واضحة. يعرف الإنسان، أيًّا كان موقعه، أن هناك ما يجوز وما لا يجوز، ما يُبرَّر وما لا يمكن تبريره مهما اشتدت الظروف. لكن مع مرور الوقت، وتراكم الحسابات، وتداخل السياسة مع البقاء الشخصي أو الجماعي، تبدأ هذه الحدود بالتآكل بهدوء. لا يحدث الانحراف دفعة واحدة، بل يتسلل تدريجيًا عبر سلسلة طويلة من التبريرات الصغيرة التي تبدو في ظاهرها منطقية، لكنها في مجموعها تغيّر البنية الداخلية للوعي.
عند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود الفعل السياسي يُقاس بميزان أخلاقي ثابت، بل بميزان آخر أكثر خطورة: ميزان القدرة على الاستمرار. يصبح السؤال ليس “هل هذا صحيح؟” بل “هل يمكن تمريره؟” ومع هذا التحول، يتغير جوهر العلاقة مع الحقيقة نفسها. فالحقيقة لا تُنكر فجأة، بل يُعاد تشكيلها، تأويلها، وتكييفها بما يسمح باستمرار المسار دون توقف.
ومع هذا التكيّف المستمر، يحدث التحول الأخطر: تراجع الإحساس الداخلي بالفعل. فالإنسان لا يفقد أخلاقه مرة واحدة، بل يفقد تدريجيًا قدرته على الشعور بثقل ما يقوم به. ومع غياب هذا الثقل، تختفي الحاجة إلى المراجعة، لأن الضمير نفسه يفقد صوته، أو يتحول إلى صدى بعيد لا يؤثر في القرار ولا في الاتجاه.
وهنا يصبح الخطر أعمق من مجرد أخطاء سياسية أو انحرافات ظرفية. لأن المشكلة لم تعد في ما يُفعل، بل في غياب الإحساس بما يُفعل. حينها يمكن لكل شيء أن يستمر: التناقض، التبرير، إعادة التفسير، وحتى تناقض المواقف نفسها، دون أن يثير ذلك أي اضطراب داخلي حقيقي. وهذا هو الشكل الأكثر هدوءًا وخطورة في آن واحد لفقدان التوازن.
في المقابل، لا يُقاس الإنسان سياسيًا كان أو غير ذلك بقدرته على تجنب الخطأ، بل بقدرته على التعرف إليه عندما يحدث، وبامتلاكه الشجاعة الداخلية للتوقف قبل أن يتحول الخطأ إلى قاعدة. فالسقوط ليس لحظة الفعل، بل لحظة فقدان الحسّ بالفعل.
لذلك، لا يكمن الخطر الحقيقي في من يخطئ وهو يشعر، بل في من يستمر دون أن يعود قادرًا على الشعور أصلًا. الأول يبقى في دائرة إنسانية قابلة للمراجعة، أما الثاني فيتحرك داخل مساحة مغلقة، فيها كل شيء ممكن، ولا شيء يُراجع.
وفي النهاية، لا تنهار الأنظمة فقط عندما تفشل، بل عندما تفقد قدرتها على الإحساس بفشلها.
