مقالات

الإعلام تحت النار… حين يُستهدف الشاهد ويُترك الوطن مكشوفاً

د. جيلبير المجبّر

لم يعد استهداف الإعلام في لبنان تفصيلاً يمكن إدراجه في خانة “أضرار الحرب الجانبية”. ما جرى مع الإعلامية الشهيدة وزملائها الجرحى هو جريمة مكتملة المعالم: استهداف مباشر للمدنيين، وللصحافة، ولما تبقّى من قدرة هذا البلد على قول الحقيقة في وجه النار.
إن هذا النمط من الاستهداف ليس خطأً عسكرياً ولا انزلاقاً ميدانياً، بل هو خيار قائم على إسكات العين التي ترى، والكلمة التي توثّق، والصورة التي تفضح. عندما يُقصف الإعلامي، فالمقصود ليس شخصه فقط، بل الرسالة التي يحملها إلى العالم.
وفي هذا السياق، يكتسب موقف فخامة رئيس الجمهورية بإدانة هذا الاعتداء واعتباره جريمة ضد الإنسانية أهمية أساسية، لأنه يضع الأمور في نصابها القانوني والسياسي: نحن أمام عدوان لا يستهدف فقط الأرض، بل الإنسان والحقيقة معاً.
لكن أمام هذا المشهد، يبرز السؤال الأخطر الذي لم يعد يمكن تجاهله:
كيف وصلنا إلى لحظة يُصبح فيها إنقاذ الجرحى وانتشال الشهداء من أرضنا مرتبطاً بإذن من عدوّ يحتل أو يقصف أو يستبيح؟ وأي معنى تبقّى للسيادة إذا كانت حركة الحياة والموت نفسها تُدار تحت شرط ناري خارجي؟
هذا السؤال ليس شعاراً، بل هو جوهر الأزمة: انهيار مفهوم السيادة الفعلية حين تتحول الدولة إلى طرف عاجز أمام حماية أبسط حقوق مواطنيها في الحياة والنجاة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن لبنان يعيش حالة استنزاف مفتوح، يدفع فيها الشعب ثمن قرارات كبرى تُتخذ فوق رأسه، في مسار لا يملك أدوات التحكم به ولا القدرة على ضبط نتائجه. والنتيجة واحدة: دمٌ يُسفك، ومجتمعٌ يُنهك، ووطنٌ يُستنزف بلا سقف.
العدو يمارس عدوانه بوضوح كامل: استهداف، قصف، وتوسيع دائرة النار بلا أي اعتبار للمدنيين أو للصحافة أو للقانون الدولي. لكن خطورة المشهد لا تتوقف عند فعل العدو، بل عند استمرار واقع يجعل الإنسان في هذا البلد مكشوفاً بلا حماية فعلية.
إن تحميل لبنان أكثر مما يحتمل، والزجّ به في مسارات لا تُبنى على حماية الناس أولاً، يضع البلاد في دائرة خطيرة، حيث يصبح الدم نتيجة حتمية لغياب القرار السيادي الحاسم في وقف هذا الانهيار.
لبنان لا يُحمى بالبيانات، بل بقرار يعيد للإنسان قيمته قبل أي حسابات، ويمنع أن يتحول الإعلامي إلى هدف، والمدني إلى رقم، والوطن إلى ساحة مفتوحة بلا حماية.
والتاريخ لا يسجّل فقط من أطلق النار، بل أيضاً من جعل إطلاق النار ممكناً ومستداماً فوق أرضٍ تُستنزف كل يوم.

لبنان

الإعلام

الصحافةتحتالقصف

شهداء_الإعلام

السيادة_الوطنية

الجنوب_اللبناني

وقف_العدوان

دجيلبيرالمجبّر

لبنانتحتالنار

الحقيقةلاتُقصف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى