مقالات

حرب اللاعودة… هل دخلت المنطقة طور التحولات الجيوسياسية المفتوحة؟ \ بقلم: عماد العيسى

لم يعد السؤال في دوائر التحليل الإقليمي، يدور حول حدود الضربة والضربة المضادة، ولكن حول ما إذا كانت المنطقة، قد دخلت فعليًا مرحلة استراتيجية جديدة ،تتراجع فيها قواعد الردع التقليدي المعتاد في المنطقة ، ليحل محلها منطق “التكلفة الشاملة” و”إدارة الفوضى”،
الفرضية المركزية هنا ،أن الجمهورية الاسلامية الإيرانية ،لم تعد تتحرك ضمن سياسة الاحتواء، بل ضمن منطق تحطيم السقف، أي أن المواجهة الحالية ، ليست مجرد جولة تصعيد عابرة، بل انتقالًا من صراع مضبوط الإيقاع ،إلى صراع مفتوح على احتمالات إعادة تشكيل الإقليم.
من العلوم اننا على مدى عقود، قامت المعادلة بين طهران وواشنطن ومعهما تل أبيب ، على توازن دقيق ضربات محسوبة وردود محدودة ،تمنع الانفجار الكبير لكن ، إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت حيوية في الخليج، يشير إلى انتقال مؤكد ،إلى مرحلة يصبح فيها التراجع أكثر كلفة من الاستمرار.
السؤال الجوهري… هل هو تصعيد تكتيكي لتحسين شروط التفاوض، أم خيار استراتيجي لإعادة صياغة النظام الإقليمي؟.
تدرك طهران اختلال موازين القوة العسكرية المباشرة،رغم انها اثبتت حتى الآن أنها قادرة على ذلك ،ومن ضمن تلك المواجهةالإنتقال، الى المواجهة في اطار الاقتصاد العالمي، أي تعطيل طويل الأمد في مضيق هرمز، مما يعني اضطرابًا في أسواق الطاقة، وارتفاعًا في الأسعار، وضغطًا داخليًا على صانع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية.
المعادلة هنا تقوم على تعميم الكلفة، إذا كانت “العقوبات القصوى”، استهدفت إنهاك الاقتصاد الإيراني، فإن الرد هو جعل الكلفة عالمية،
فلسفة “عدم الهزيمة”.
إيران لا تحتاج إلى انتصار تقليدي، يكفيها منع خصومها من تحقيق حسم واضح، كل يوم صمود دون انهيار، يعزز سردية الفشل الأمريكي في إخضاعها، فيما يتحول طول أمد الحرب ،إلى عامل استنزاف سياسي داخل (الديمقراطيات) الغربية، إنها معركة إرادة وزمن أكثر منها معركة عتاد.
أخطر التداعيات قد لا تكون عسكرية مباشرة فقط، بل في اهتزاز الثقة بالمظلة الأمريكية،إن إستمرار الاستهداف دون حماية كافية، قد يدفع دول الخليج إلى إعادة تعريف العلاقة مع واشنطن، وتنويع تحالفاتها نحو روسيا والصين، وذلك ضمن نظام إقليمي أقل أحادية،
هذا لا يعني قطيعة، لكنه قد يعني نهاية الاحتكار الأمريكي للقرار الأمني الخليجي حكمآ .
حتى في حال توجيه ضربات واسعة، يبقى القضاء الكامل ،على المنظومة الصاروخية الإيرانية هدفًا معقدًا، نظرًا لتوزعها وتراكم خبرتها التقنية، ومن دون عملية برية شاملة ، وهي خيار بالغ المخاطر ، يصعب تحقيق حسم عسكري نهائي، في الوقت ذاته، تحولت الحرب إلى شبكة اشتباكات ،تمتد من العراق إلى لبنان ،بإنتظار دخول اليمن حسب التوقيت المطلوب ،وهذا جعل المواجهة إقليمية مترابطة لا نزاعًا ثنائيًا محدودًا.
الإشكالية الآن في واشنطن ،لا تكمن فقط في خوض الحرب، بل في تعريف “اليوم التالي”، هل الهدف إسقاط النظام؟ ،أم تعديل سلوكه؟ أم مجرد إعادة ضبط الردع؟، في المقابل يبدو الهدف الإيراني أبسط، البقاء ومنع فرض شروط استسلام،( حتى اللحظة )،هذا التباين في وضوح الأهداف، قد يطيل أمد المواجهة ويزيد الكلفة،
نصل الى السؤال الجوهري ،هل هي حرب تغيّر الخرائط أم تعيد إنتاج التوازن؟.
السيناريو الأكثر وضوحآ، يفترض حربًا تعيد رسم خرائط النفوذ ،ومفهوم السيادة في الشرق الأوسط، غير أن تجارب المنطقة تشير إلى أن الحروب الكبرى، تنتهي غالبًا بتوازنات جديدة، لا بإلغاء أحد الأطراف،رغم اننا امام واقع تفرضه ايران، بالغاء الوجود الامريكي في المنطقة .
في العمق، نحن أمام صراع إرادات، إيران تراهن على الاستنزاف، وكسر الاحتكار الأمريكي، والولايات المتحدة تراهن ،على تثبيت الردع ومنع تشكل محور قادر على تحديها، وإذا طال أمد المواجهة دون حسم، فقد يكون الخاسر الأكبر، هو فكرة الاستقرار الإقليمي نفسها إذا لم يكن العالم أجمع،المنطقة لا تقف فقط على حافة تغيير إستراتيجي ، بل على أعتاب تحول بنيوي ،قد يعيد تشكيل النظام السياسي لعقود مقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى