
الإعلام في زمن الحروب: من الحقيقة إلى الرواية، ومن الموضوعية إلى التواطؤ
في زمن الحروب، لا يعود الإعلام مجرّد ناقلٍ للوقائع، بل يتحوّل إلى لاعبٍ أساسي في صناعة المشهد، وإدارة الوعي، وتوجيه الرأي العام. هنا، لا تُخاض المعارك فقط على الأرض، بل في العقول، حيث تُصاغ الروايات، وتُنتقى الصور، وتُحدَّد الزوايا التي يُسمح للناس أن يروا من خلالها الحقيقة.
الإعلام الذي وُجد ليكون مرآةً صادقة، ينزلق تدريجياً من الحقيقة إلى الرواية. لم يعد السؤال: “ماذا حدث؟” بل “أي رواية يجب أن تسود؟”. في هذا التحوّل، تُجزَّأ الحقيقة، ويُعاد تركيبها بما يخدم أجندات سياسية أو مصالح ضيّقة. يُصبح الخبر مادةً خاماً لإعادة التشكيل، لا لنقل الواقع كما هو. وهنا، تبدأ أخطر مراحل الحرب: حين يُعاد تعريف الحقيقة نفسها.
ومن الموضوعية إلى التواطؤ، تتسارع الانزلاقات. فالإعلام الذي يفترض أن يكون سلطة رقابية مستقلة، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة ضمن منظومة الصراع. إما تحت ضغط التمويل، أو الاصطفاف السياسي، أو حتى الخوف. تُخفَّف حدة الجرائم في مكان، وتُضخَّم في مكان آخر. تُبرَّر انتهاكات، وتُدان أخرى، لا وفق معيار إنساني واحد، بل وفق ميزان القوى. عندها، لا يعود الإعلام شاهداً، بل شريكاً في صناعة الانحياز.
وبين الضوء والظل، يُدار التعتيم بذكاء. ما يُعرض ليس كل ما يحدث، وما يُخفى ليس أقل أهمية. هناك ضحايا لا تُروى قصصهم، ومآسٍ لا تجد طريقها إلى الشاشات، لأن السياسة قررت أنها لا تخدم السردية المطلوبة. في هذا الانتقاء، يُعاد تشكيل الذاكرة الجماعية، ويُربّى وعيٌ مشوّه يرى نصف الحقيقة ويظنّه كلّها.
أما الأخطر، فهو انحدار الخطاب من وطني جامع إلى خطاب يُشعل النعرات. بدل أن يكون الإعلام مساحة لاحتواء الانقسام، يصبح وقوداً له. تُستدعى الهويات الضيقة، وتُحرَّض الغرائز، ويُعاد تقسيم المجتمع إلى معسكرات متناحرة. في لحظة، يتحوّل المواطن إلى عنوانٍ طائفي، والقضية إلى ساحة تصفية حسابات. وهنا، لا ينقل الإعلام الحرب فحسب، بل يُسهم في إطالتها وتعميق جراحها.
ومع توسّع الفضاء الرقمي، لم يعد الإعلام محصوراً بالمؤسسات. كل فرد أصبح منصة، وكل هاتف غرفة بث. لكن بدل أن يكون ذلك مساحة لتوسيع الحقيقة، تحوّل في كثير من الأحيان إلى فوضى روايات، حيث تختلط الوقائع بالشائعات، وتُصنع “حقائق بديلة” تنتشر بسرعة تفوق قدرة العقل على التحقق. وهنا، يصبح التلاعب أسهل، والانقسام أعمق.
ورغم هذا المشهد القاتم، لا يمكن تجاهل وجود إعلاميين لا يزالون يدفعون ثمن التمسك بالحقيقة. يعملون في ظروف قاسية، ويخاطرون بحياتهم لكشف ما يُراد له أن يُخفى. هؤلاء يشكّلون خط الدفاع الأخير عن معنى الإعلام، وعن فكرة أن الكلمة يمكن أن تكون أداة عدالة، لا أداة تضليل.
في النهاية، المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، بل على الوعي. فحين تُختطف الحقيقة، يُختطف القرار، وحين يُضلَّل الناس، تُفتح أبواب الحروب بلا نهاية. لذلك، يبقى السؤال الأخلاقي قائماً: هل يكون الإعلام ضمير الشعوب، أم أداة في يد من يصنعون الحروب؟
في زمن كهذا، الحياد ليس دائماً براءة… وأحياناً، الصمت شكلٌ من أشكال التواطؤ.
