
أثر النبوءة في تحريك العصبية الطائفية: حين يتحول الغيب إلى وقود للحروب \ كتبت :رولى المراد
في المجتمعات التي تعيش على حافة الخوف والهوية، لا تبقى النبوءة مجرد نص ديني أو سردية روحية، بل تتحول إلى أداة تعبئة، وإلى خطاب سياسي قادر على إشعال الحروب أو إطالة أمدها. فحين تُقرأ النبوءات خارج سياقها الإيماني، وتُستثمر في صراعات السلطة، تصبح جزءًا من ماكينة إنتاج العنف، وتغذية العصبية الطائفية التي لا تنتهي.
النبوءة في أصلها وعد أو تحذير، تحمل بُعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا، لكنها حين تُسحب إلى أرض السياسة، تُعاد صياغتها بما يخدم مصالح جماعات بعينها. هنا يبدأ الخطر: تتحول النبوءة إلى “حقيقة مطلقة” لا تقبل النقاش، وتُستخدم لتبرير العداء للآخر، ليس بوصفه خصمًا سياسيًا، بل كعدو وجودي، يجب إقصاؤه أو القضاء عليه. وهكذا، يُنزع البعد الإنساني عن المختلف، ويُختزل إلى رمز في “معركة كونية” يُعتقد أنها مكتوبة سلفًا.
في هذا الإطار، تلعب النبوءة دورًا خطيرًا في إعادة إنتاج العصبية الطائفية. فهي تمنح الصراع طابعًا قدريًا، وكأن الحرب ليست خيارًا بشريًا يمكن تفاديه، بل قدر محتوم يجب خوضه. هذا الإحساس بالقدرية يُعطل العقل النقدي، ويُغلق أبواب الحوار، ويحوّل أي محاولة للسلام إلى خيانة أو ضعف في نظر المتشددين. فكيف يمكن التفاوض على ما يُعتقد أنه “إرادة إلهية”؟
ولعل أخطر ما في توظيف النبوءة هو قدرتها على إدامة الحروب. فحين تُربط نهاية الصراع بتحقق نبوءة ما، يصبح استمرار العنف ضرورة، لا مأساة. تُصبح كل جولة حرب “مرحلة” في مسار أكبر، وكل دم يُسفك يُبرر باعتباره “قربانًا” لتحقيق الوعد. وهنا ندخل في دائرة مغلقة: صراع يولد صراعًا، وكراهية تنتج كراهية، في سلسلة من “ست حروب” أو أكثر، لا تنتهي، لأنها لا تقوم على واقع قابل للحل، بل على تأويلات لا نهائية.
في منطقتنا، حيث تتقاطع السياسة بالدين، والتاريخ بالذاكرة الجماعية، تُستخدم النبوءات أحيانًا كوسيلة لتثبيت الانقسام، لا لتجاوزه. تُستحضر نصوص، وتُفسر أحداث، وتُبنى سرديات، كلها تهدف إلى تأكيد أن الصراع حتمي، وأن الآخر عدو أبدي. وفي ظل هذا الخطاب، يُربى جيل كامل على الخوف، وعلى الاستعداد الدائم للحرب، بدلًا من الانفتاح على السلام.
لكن الحقيقة التي يجب التوقف عندها هي أن النبوءة، مهما كانت، لا تُنفذ نفسها بنفسها. الإنسان هو من يختار كيف يفهمها، وكيف يتصرف بناءً عليها. وهنا تكمن المسؤولية الأخلاقية: هل نستخدم النصوص لبناء الجسور، أم لهدمها؟ هل نقرأها كدعوة للتأمل، أم كأمر بالقتال؟
إن كسر هذه الحلقة يتطلب إعادة الاعتبار للعقل، وللقيم الإنسانية المشتركة، وفصل الدين عن التوظيف السياسي الذي يشوه معناه. كما يتطلب شجاعة فكرية لمواجهة الخطابات التي تزرع الخوف باسم الإيمان، وتُقدّس العنف تحت غطاء القدر.
في النهاية، ليست النبوءات هي التي تصنع الحروب، بل قراءاتنا لها. وبين قراءة تُشعل العالم، وأخرى تُنقذه، يقف الإنسان أمام مسؤوليته: إما أن يكون صانع سلام، أو أسير نبوءة حوّلها إلى سلاح.
في سياق توظيف النبوءة لتبرير التوسع، يُعدّ المثال المرتبط بـإسرائيل من أكثر النماذج وضوحًا وحساسية، حيث تتقاطع العقيدة الدينية مع المشروع السياسي بشكل مباشر.
تستند بعض التيارات الدينية–القومية داخل إسرائيل إلى تفسيرات توراتية تتحدث عن “أرض الميعاد”، وهي مساحة جغرافية يُعتقد أنها وُعدت لبني إسرائيل تاريخيًا. هذه القراءة لا تبقى في إطار الإيمان الفردي، بل تتحول إلى برنامج سياسي لدى مجموعات تسعى إلى توسيع السيطرة الجغرافية، معتبرة أن هذا التوسع ليس خيارًا استراتيجيًا بل “تنفيذ لوعد إلهي”.
يتجلى ذلك بوضوح في سياسات الاستيطان في الضفة الغربية، حيث تدعم حركات دينية متشددة إقامة مستوطنات جديدة انطلاقًا من قناعة دينية بأن هذه الأرض جزء لا يتجزأ من “الوعد”. هنا، لا يُنظر إلى الأرض كموضوع تفاوض سياسي، بل كحق مقدس غير قابل للتنازل، ما يعقّد أي مسار سلام.
كما يظهر هذا الخطاب في الدعوات التي تتبناها بعض الجماعات لإعادة رسم حدود “إسرائيل الكبرى”، وهي فكرة ترتبط بتفسيرات دينية تمتد نظريًا إلى مناطق أوسع في الشرق الأوسط. ورغم أن هذا الطرح ليس رسميًا في السياسات الحكومية المعلنة، إلا أن تأثيره الأيديولوجي حاضر في الخطاب العام، ويغذي توجهات توسعية لدى بعض التيارات.
في الصراع مع فلسطين، يُستخدم هذا المنطق لتبرير إجراءات ميدانية مثل مصادرة الأراضي، وتهجير السكان، وفرض واقع ديموغرافي جديد. يتم تقديم هذه السياسات أحيانًا كجزء من “مسار تاريخي–ديني”، لا كقرارات سياسية قابلة للنقد أو التراجع.
ولا يقتصر الأمر على الداخل الفلسطيني، بل يمتد الخطاب التوسعي في بعض الأحيان إلى رؤى أوسع تجاه الإقليم، حيث تُطرح تصورات غير رسمية تربط بين النبوءة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط. هذه التصورات، حتى وإن بقيت على هامش السياسة الرسمية، تساهم في تغذية المخاوف الإقليمية وتعزيز التوتر.
المحصلة أن توظيف النبوءة في هذا السياق لا يكتفي بإعطاء بعد ديني للصراع، بل يضفي عليه طابعًا مطلقًا يُصعّب احتواؤه. فعندما يُقدَّم التوسع كتنفيذ لإرادة إلهية، يصبح أي اعتراض عليه وكأنه اعتراض على “القدر”، لا على سياسة بشرية—وهنا تكمن خطورته الحقيقية.
رولى المراد
