
يوسف رقة كتابا كرونولوجيا المونولوج \ د. قصي الحسين
“فجأة قطعت سفيرة النجوم طريقنا في الحلم،/ وقالت:/
“ولو؟ بتمرقو من هون، ما بتميلو صوبنا؟
…
وبعد إصرار شديد، دخلتا إلى منزلها الكائن/ في القدس العتيقة”
قلما تجد قلما يسيل رقة، مثل قلم الأستاذ يوسف رقة. ينصرف منذ ساعته، لتهوئة شبابيك الروح. يستدعي الغمامات الماطرة في القلب، لتبترد المصطبات. وأوراق العمر من النشاف المزمن. يعالج الجفاف واليباس وحقول الصيف، بما تختزنه نفسه من ينابيع جوفية. فترى كل ما حوليه، وردا جوريا بإمتياز. ينهض البرهة الغرثى، ويظللها بعينيه، حتى تورق، و تخضل ساقها.
كرم عظيم، ودوال معرشة بين كفيه، هكذا، حنانيك، حين يخطر. أو حين يقول النسيم، ما في خاطره. أو حين تعد الحصوات رنين قدميه.
كأنه خطاب مزمن للرقة. كأنه بوح نجم غارق في سماء عينيه. أي الرجال هو يوسف رقة حين يهاتف قلبه، جميع حقول البنفسج: أن تعالي إلي.
“الساعة القديمة على جدار البرج العالي، تتوقف عن/ الدوران… ونحن نركض في الساحات، ولا نبالي…”
“يوسف رقة. زهور برية على كوكب غامض. منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي. بيروت- لبنان. ط.1- 2026. 115 ص. تقريبا”.
“وردة بيضاء تنثر عطرها على كوكبنا الغامض،/ وتغسل الزمن في نهر متعثرة… خطواته…”
لا تستطيع أن تدع بوح يوسف رقة يفوتك. إلتمسه في هذا الكتاب الجديد له. وجه منه شعر. ووجه منه نثر. وهو إذا إجتمعت أوراقه كلها، تحت ناظريك، تحسبه جنى العمر: من الخواطر، في سبحة عينيه.
هلا وجدتم منا من ينعطف على سبحته: يعدد ما لا يقدر على تعداده، من الصفات والسجايا، وهبات النسيم الخلوق، وحبات القلب الذائب في السطور…
“نحن في مكاننا نراقص الزمن…
…نرقص حول القمر/ رقصتها المستحيلة…”
هو كل ذلك يوسف رقة وأعظم. مونولج طويل، لعمر يعد الثواني، ويحصي رجع صداها على الورق. ولهذا لا تجد فيما يقول، ما يمكن أن يرد. فعلى مثله لا يرد.
“مرحبا بكلمات يرجعه تعانق شذا الربيع في هيام./
… قد أمطرت، على كوكب غامض…
…
قصائد وشاشات كونية…
…
كلمات إبن الجنوب، يوسف رقة..”
( ميراي شحادة- المقدمة).
وازن القراطيس بذوب الزعفران، حتى تظل تسرح وتمرح فرحة مهتاجة… مبتهجة.. وتعقل السويعات الطويلة، بين أجنحة الفراشات. كأنها من ربيع لا ينتهي. وكأن سنونواته لا توقف العودة إلى عينيه. تريد أن تخبئ الربيع بين جفينين، للموسم القادم، وتعقد لهما قوس قزح/ قوس نصر.
“يكتبني اللاوعي، فأكتب الصمت، ربما هو أكثر/ تعبيرا عما يدور حولنا من زيف لحقيقة، لا نستطيع/ أن نرفع عنها ثقل الستار…
…
نصوصي نثرية، محاولة، تبحث عن معنى الوجود، في/ الحب والإيمان، وعن إنسانية الإنسان والحرية…”
يبوح الأستاذ يوسف رقة، بما ملكت يداه: مسرحا دائما فوق الماء، كما الأرض. لا يعرف حدود الوشوشات حين تخرج إلى ورق العمر. هي كلها نسيج وحدها. لأنه هو كله، نسيج وحده. لا تعرف أول النبعة. لأنك لا تعرف مصباتها. إنها حيلة صناع المودات. وحيلة صناع الحيوات. وحيلة الرجل الذي رهن نفسه للمسرح. أخفاه في عبه، حتى لا يشي به. تخرج القهقهات من قمصانه، وأنها قميص واحدة: قميص يوسف. هل تذكرت حسنا، بتلك المسافات. تقطع الحسناوت أيديها: تلهث خلفه. ولا تدري.
“كوب من الشاي الساخن، قهوة مرة، غمضة عين/ حالمة، ثم، لا شيء…
…
قوس القزح يعود يوما/ وتعودين إلي..”
يوسف رقة، أخو زنبقة فقشتها موجة غاضبة من البحر، بين يدين. وعادت إلى سمائها، ترقب سطوع الفجر. هل غيرت في المسرح قولا واحدا. لا تخاطروا في البحث في بحر مسرحه. لأن أمواجه، سرعان ما تختفي.
“أكتب أحرفي على أجنحة فراشة،/ بخط غير مقروء/ وحدك تقرئين أحرفي… لن تحتاجي إلى صيدلاني، أو منجم مغربي/ لفك الرموز/
… أحرفي تحتاج إلى نظرة من عينيك…”
ما سر هذا الكتاب الذي أودعه يوسف رقة يدينا؟.أراد أن يوشي بنا: أنه وحده. ونحن غيره. كما الغمامة ذات صيف قائظ، في البادية.
“الموج الممتد إلى الشاطئ،/ يأتي ليعانق حبات الرمل، وأنا في قعر البئر، أحبس/ أنفاسي وألتزم الصمت…
…
من بين أصابعها تتساقط حبات الرمل… / وأنا على الشاطئ، صرت أنثرها/ ومعها أنتظر أمواج البحر…”
يوسف رقة، لا يستعير أثوابه. هو دائما إبن بجدتها. حسنه في مسرح، يبدأ من يدين راعفتين، وفي عينيه يختفي.
هلا رأيتم مسرحا بصالة، على مقاس رجل بحجمه. تلك تلك المعجزة…
“إن صعدت يوما إلى مركبي، كوني على إستعداد للغرق،/ لأنك لا تعرفين السباحة، ولا التنفس تحت الماء…
…
فلتكن المسافة بيننا: أنت على ضفة النهر، وأنا في المركب التائه بين المحيطات…”
يخاطبنا كتابه اليوم، تماما كما خاطبنا في أمسنا. تماما كما خاطبنا غدا. فأمس والمكان: آن. وهو شدو دائم: “زد على الآن آنا”.
“في حديقتي الخلفية، كوكب غريب يحجب الضوءعن/زهرة تطل بين أدراج العتمة…
…
تنثر عطرها من جديد، وتصلي…”
خذوا الكتاب بقوة. قال لنا. سمعا وطاعة قلنا: نحن جميعا أخوة يحيي. نبدأ بالحضور صفا واحدا، وهو يرتجل علينا:
- أحلام يومية. و 33 صلاة في جوف الحوت. والشاطر. وبرلمان.
– وآخر أعماله هو ما بين يدينا.
“لا حوافز عندي، كي أكتب الآن،/ وإذ يهطل المطر سأكتب عن الأرانب،/ لأن لديهن قدرة هائلة على الإختباء،/ والقفز من مكان لآخر، تماما مثل بعض البشر../لذلك لن أكتب الآن، ربما يهطل المطر…”
بين غلاف بريشة الأدبية و الفنانة التشكيلية الأستاذة خيرات الزين، وبين مقدمة بقلم الأدبية الأستاذة ميراي شحادة، تهب الروح لمعانقة روح الرقة، في كتاب: زهور برية على كوكب غامض، ليوسف رقة. إنما هي بعض النسيمات الرقيقة التي تهب علينا، من جهة القلب، أم من جهة المسرح، لسنا ندري. غير أن مثلي يعجز عن وصفه. وهذا هو سحره: سحر مسرح تقول يداه ولا تنتهي. هلا رأيتم الأنس كيف تستطيع أن تصنع.
” المدينة حفرة عميقة يلفها الظلام/ الشمس تكل على قدم الطفلة بين الركام…
…. جثتي باردة، ولن أغلق النافذة…
….
يعاند، ربما تشرق الشمس.”
ليس الأنس جميعا واحد. فهناك أخو الجهالة. وهناك الجاهل المتصنع. وأعظمهم جميعا من يقول: أنا لا أعلم، حين يعلم.
” نداء، نداء، نداء
…
إلى سكان الأرض،/ أرسلنا إليكم السفينة، من يريد إنتعالها، فليغتسل/ بضوء من نور.
…. فلنتبع السفينة، بمركب صغير أسمه الحب…”
زمان لا ينتهي، كتاب يوسف رقة. كما بوحة. كما آهة. كما شوق. دعونا مما لا نستطيع تصنيفه في خانة: يوسف رقة حين يكتب، هو المسرح له. هو المسرح كله.
“بعيدة هي، وكلما إبتعدت، / يزداد الشوق والوهج/ ويزداد السراب..
….
أنت أوهامي.”
حب بطول سبحة العمر. بطول سحابة. بطول هطولها: أمنية غالية للجفاف الذي يشققنا ويشقينا. هي أوراق يوسف رقة، من أولها لآخرها. وأخشى أن يغامر، من يقلد…
“أجرجر أحذيتي، الواحد تلاه الآخر،/ لعل إحدى قدمي تسقط في إحداها،/ وتمضي إلى رحلتيهما المبعثرة نحو المجهول….
….
لكن العمر مضى/ كزهرة برية على كوكب غامض…”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
