لبنان

كتاب مفتوح من خلدون الشريف إلى الرئيس نجيب ميقاتي: طرابلس لم تعد قضية إنماء بل قضية عدالة

وجّه الدكتور خلدون الشريف كتابًا مفتوحًا إلى الرئيس نجيب ميقاتي، جاء فيه:
“دولة الرئيس،
تعرّفتُ إليك عن كثب في العام 2010، وكنتُ حينها أتعرّض لحملة مضايقات دفعتني إلى قبول التحدّي، بعدما كنتُ قد شرحتُ لك بصراحة أسبابي الموجبة لمغادرة مكاني إلى جانب المرحوم الرئيس عمر كرامي، والتي كنت قد شرحتها نفسها لمعالي الأستاذ فيصل كرامي قبل الفراق.
سألتني يومها: ماذا تريد؟
فأجبتك بوضوح: أريد سياسة، لا أعمالًا ولا مالًا.
ومن هناك بدأت علاقة قامت على نقاشٍ مفتوح حول الحكم والمدينة والبلد.
في حزيران 2012، كلّفتني بإدارة ملفّ الوجود الفلسطيني في لبنان، فبذلتُ كلّ ما في وسعي، بشهادة الفصائل الفلسطينية والدول المانحة، في محاولةٍ لمقاربة ملفّ معقّد بحسّ الدولة لا بحسابات اللحظة.
وحين عرض عليّ الرئيس تمام سلام البقاء في موقعي، فضّلت البقاء إلى جانبك تحقيقًا لطموحي، بلا شك، ولكن أيضًا لرهاني عليك.
كان هاجس طرابلس حاضرًا دائمًا في لقاءاتنا.
كنتَ يومها في ذروة اندفاعك السياسي التمثيلي، ولا تزال تحمل الطموح المشروع بترؤّس الحكومة متى سنحت الظروف.
ورغم كلّ ما شهدته علاقتنا من صعودٍ وهبوط، ومدٍّ وجزر، خلال السنوات العشر التي عملتُ فيها إلى جانبك، أحببتُ فيك أمرًا ظلّ ثابتًا:
أنك لا تؤذي، بمعنى الإيذاء.
تنافس، تواجه، تناور، تتقدّم، تتراجع، تطمح، تغار…
لكنّك، بتكوينك، لا تمتهن الأذى، بخلاف كثيرين في السياسة والأعمال بنوا حضورهم على الإقصاء أو الكسر.
رأيتك تدفع بلا حساب في محطات، ورأيتك تحسب بدقّة في محطات أخرى، دون أسباب مقنعة لي بالحدّ الأدنى.
مالُك حقّك، وأنت لست بخيلًا كما يحلو للبعض تصويرك، لكنّك لا ترتاح حين يُضغط عليك لتُدفع إلى حيث لا تريد، أو لتدفع مالًا إلى من لا ترغب.
أكتب إليك اليوم لا لاستعادة الماضي، بل لأنّ الحاضر يفرض سؤالًا أكبر من العلاقة الشخصية.
طرابلس التي كانت هاجسنا، لم تعد تحتمل إدارة بالحدّ الأدنى.
والدولة التي سعيتَ يومًا لقيادتها، لم تعد تتحمّل توازنات رمادية.
نحن أمام لحظة يتآكل فيها ما تبقّى من الثقة العامة:
في الحكم، وفي العدالة، وفي فكرة الدولة نفسها.
طرابلس، دولة الرئيس، لم تعد مجرّد مدينة مهمَلة تحتاج إلى مشروع إنمائي.
هي اليوم تختصر سؤال الدولة كلّها.
مدينة تنهار بيوتها فوق أهلها، لا بفعل الزلازل بل بفعل الإهمال.
مدينة يهاجر شبابها لا بحثًا عن رفاه، بل هربًا من انسداد الأفق.
مدينة تعيش على حافة الخوف: خوف الفقر، وخوف الانهيار، وخوف أن تتحوّل إلى هامشٍ نهائي خارج الخريطة.
طرابلس لا تطلب صدقة، ولا منّة، ولا موسمية في الاهتمام.
تطلب فقط ما تطلبه أي مدينة من دولتها:
أن تحمي حياة ناسها،
وأن ترى أحياءها قبل أن تسقط،
وأن تتعامل مع كرامة أهلها كجزء من كرامة الدولة نفسها.
أجزم، دولة الرئيس، أنّك قصّرت، وإننا قصّرنا بحق مدينتنا وأهلها، بالمعنى الجمعي لا الفردي.
وأجزم أنّنا، بتكاتف بضع شخصيات وقيادات، نستطيع فعل الكثير.
قضية طرابلس لم تعد قضية إنماء فقط، بل قضية عدالة.
دولة الرئيس،
كثرٌ – وأنا منهم – نحبّك في الله.
وأنا أعلم أنّك لن تعطيني اليوم ما لم تُعطني في ذروة حسن علاقتنا، لكنني أستحلفك بالله ألّا تترك مدينتك… مأواك يوم المنية.
قلتَ لي في أوّل لقاء بيننا:
أريد، حين يحمل الناس نعشي وصولًا إلى باب الرمل، أن يترحّم عليّ كلّ من يرى موكبي متجهًا إلى اللحد.
وأنا أقول لك اليوم:
إنّ المدينة التي تريد أن تترحّم عليك – وسيترحّم كثير من أهلها عليك لا شك – تحتاج أن تشعر اليوم أنّك لم تتركها.
أوصيك بطرابلس،
تلك التي أحبّك أهلها،
ولو كانت الأصوات المرتفعة التي تشتمك أعلى من الأصوات الخافتة التي تدعو لك.
فما بين الجنازة التي تُحمل يومًا،
والدعاء الذي يُقال بعدها،
تقف أفعال الرجال”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى