مقالات

عيد حبّ على حافة الهاوية \ د. لينا الطبال

أبدأ من العجز، وهذا هو موضوع المقال.. حسناً، سأبدأ من هذا العجز نفسه لأنه الشكل الوحيد الصادق للكتابة وسط فراغ الـ”تحليل السياسي”، حين يتكلم الجميع في الوقت نفسه عن الشيء ونقيضه، في الجملة نفسها، وبذات الدرجة من اليقين!
السياسة اليوم لم تعد صراع استراتيجيات أو قراءة مصالح.. لقد تطورت إلى الأسوأ، إلى شيء يشبه “النشرة الجوية” التي يتم تحديثها كل عشر دقائق. يطل المذيع أو المحلل -لا فرق- ليُملي علينا روايته: “قد تمطر، لن تمطر، من المؤكد أنها ستمطر، مع احتمال عاصفة، وربما شمس خجولة في المساء”. هل فهمت شيئاً؟ لا تقلق، المحلل نفسه لم يفهم، وأنا أيضاً لم أفهم. المحلل يجزم لك الخبر، ثم يقضي بقية الحلقة في شرح لماذا قد لا يحدث ما جزم به، ليبقى دائماً على حق في كل السيناريوهات.

نحن لا نحلّل، فلنكن صريحين مع أنفسنا ولو مرة، نحن نمارس شكلا متقدماً من التنجيم السياسي؛ نقرأ الكفّ، نغوص في الأبراج، ونراقب حركة النجوم.. نوع من الشعوذة السياسية، تماماً كمن يقرأ البخت في فنجان قهوة فارغ من المعنى ومن القهوة معاً، وكل خبر يُختزل في شريط أحمر فاقع يزحف أسفل الشاشة يسمونه “خبراً عاجلاً”.
لو سألك أحد: “ماذا سيحدث غداً؟”، لا تتعب نفسك بالتفكير، فقط قل له: “الطقس السياسي غائم جزئياً، وهناك طالع نحس على الاتفاقيات، وبخت سعيد للحروب العابرة للقارات”.. مبارك عليك، لقد أصبحت الآن “خبيراً استراتيجياً”!
هذا الكمّ الهائل من الأخبار أصبح ثرثرة إعلامية؛ لا يصنع حدثاً ولا يُغيره، هو مجرد كلمات متقاطعة تملأ الفراغ بكلمات رنانة مثل: إيران، غزة، ترامب، لبنان، إسرائيل، استقرار إقليمي، في حين لا شيء مستقر سوى هذا الإفلاس التحليلي. هم يتخبطون في رقصة الديك المذبوح حول “ضربة إيران” الموعودة.
ضربة إيران؟
لا، أمريكا لن تضرب.
ثم قد تضرب.
ثم ستضرب بالتأكيد.
ثم لن تضرب لأنها ذكية،
ثم لأنها ضعيفة،
ثم لأنها أخلاقية!
أمريكا أخلاقية؟
يا لشدة هول السؤال: هل أمريكا أخلاقية حقاً أو أننا فقدنا آخر ما تبقى لنا من عقل؟
ثم فجأة، يقولون إنها لا تملك خياراً آخر.. مضحك!
في كل مرة يعيدون السيناريو السخيف نفسه، بذات الجمل التي أكل عليها الدهر وشرب، وبنفس النبرة المتعالية.. وهكذا نجد أنفسنا عالقين في تحليل عبثي يشبه كابوساً متكرراً، يعود ليلة بعد ليلة في مخيلة رجل بائس أتخم معدته بطعام رديء قبل النوم، فاستيقظ ليجد نفسه يتقيأ أوهاماً سياسية.
المحلل يسحب جملة جاهزة من أرشيفه، يضعها على الطاولة ويحاضر: عن التاريخ؟ عن الجغرافيا؟ عن العائلة؟ لا يهم.. المهم أن يستمر بالكلام وأن يملأ الأثير؛ يشرح كل شيء ولا شيء يُفهم، كل شيء يُقال، ولا شيء يُقال فعلاً.
في لبنان مطلوب منا دائماً أن نفهم، أن نصبر، أن نحلل بعمق، أن نرتقي فوق الألم، أن ننتظر اكتمال الصورة فيما الأبنية تسقط، والعملة تسقط، والشعب يسقط من الحساب أصلاً، والدولة تسقط هي الأخرى.
لبنان ليس لغزاً جيوسياسياً معقداً كما يصورونه، وليس معادلة ذكية تحتاج إلى عباقرة لفكّ شفرتها.. ببساطة هذا نتيجة طبيعية لفئة قررت تجاهل نسبها، عن معرفة وسبق إصرار قررت بمنتهى الغطرسة أن تتنصل من أصلها.. تماماً كما فعل أبو مازن في غزة، وتماما كما استباحوا كل أنحاء الوطن في سوريا، وتماما كما يشرعون لكل مساحة جغرافية بائسة في هذا العالم العربي أن يستمر فيها العنف ويمتد كالعفن، بينما تطل إسرائيل من قلب هذا الخراب بكامل دمويتها، تتودد كطفل مدلل يسعى بكل ما أوتي من مكر ليصبح “الولد الشرعي” الوحيد، ويطالب بميراث الأرض والدم، وينهش الخريطة ليرمم بها هويته الهجينة.. وهويتهم أيضاً.
لنذهب إلى إيران.. كثيرون في هذا الشرق الحزين يقرأون رواية رومانسية رخيصة حول كسر النظام من الداخل، ويغرقون في أحلامهم الوردية… يستحضرون هذيان ترامب “وجه الانفلات الأخلاقي”، وحارس القيم في خطاباته فقط، وصراخه الذي يشبه العويل على الموتى.
وغزة؟ غزة هي العار المستمر الذي يلطخ وجه الأرض، وإحراج أخلاقي لهذا العالم العربي الذي لم يعد يسكنه شيء من العروبة… ثم يظهر فجأة اغتيال “سيف الإسلام القذافي” كخبر عابر، لا أحد يسأل ماذا يعني ذلك؛ لأن السؤال الحقيقي مزعج: ماذا فعلتم بكل هذه “الانتقالات الديمقراطية” غير ترك الدول تنهار؟
وسط هذا العفن، تطفو جثة “إبستين”، هذه الفضيحة التي يعرفها الجميع بالتفاصيل، بالأسماء، بالصور، ومع ذلك تراهم يفتحون أفواههم بدهشة بلهاء. تخيّل معي هذا الرجل الذي يسقط فكه السفلي حتى يلامس صدره من هول المفاجأة الكاذبة! الحقيقة أن هذه الجثة هي روح النظام العالمي ذاته؛ هي المنظومة التي تتسابقون للتطبيع معها، والتي تسمّونها في لبنان “الاستقرار”، وفي سوريا “الواقعية”، وفي غزة “الأمن”، وفي إيران “الاحتواء”. هي نفسها المنظومة التي تتلمذتم على يديها في فهم معنى الأخلاق والديمقراطية، وهي نفسها منظومة الاتجار، والابتزاز، والصمت، والتواطؤ.. والخيانة.
وسط الانهيار المتراكم من الأكاذيب والمآسي يقودنا بالضرورة إلى إسرائيل. من المستفيد الأوحد من كل هذه الكوارث التي تنهش جسد العالم العربي بل والعالم أجمع؟
إنه الكيان الذي يكره الزيتون وزهر الليمون في بلادنا، وهو المسؤول الخفي حتى عن إفساد “عيد الحب” وإحباط العشاق، ويبرع في إقامة الجدران الفاصلة بين الأراضي وبين القلوب ومواعيدها، ليضمن أن يظل الحبيب في منفى أبدي عن حبيبته خلف أسلاك شائكة من “الأعذار الأمنية” التي تقتل الرومانسية وتجعل من باقات الورد عبوات مشبوهة، وتضع حواجز الحقد والريبة بين الجميع.
من يملك القدرة على شرعنة الفصل العاطفي وإلغاء المواعيد الغرامية وتحويل المشاعر، يملك بالضرورة القدرة على تعميم منطق السلاح على الشعوب والمصائر. هل فهمت لماذا يروون أنه من الطبيعي أن تمارس بعض الدول كل أشكال العربدة السياسية والوجودية، أن تهدم وتقتل بلا حسيب ولا مساءلة، وأن تدهس القوانين كأنها حطام، فيما يُطلب من شعوب كاملة ومن أجيال غارقة في الدماء والبارود أن تتحلى “بالفهم العميق” لظروف الجلاد، وأن تنتظر بلا أفق، وأن تتحلّى بصبر أيوب؟
هذا هو تحليلي يا صديقي؛ لقد قسموا البشر إلى فئتين: فئة تملك الحق في تحطيم كل شيء حتى الحب، وفئة ليس لها سوى أن تشرح بؤسها بكلمات وأشلاء وتعيش وسط الجحيم.
لعلنا، في غمرة كل هذا التحليل والتهليل، ننسى أن هناك بشراً حقيقيين يعيشون هذه الأحداث، ويتأثرون بها، ويدفعون ثمنها من أيامهم التي تسرقها المدافع؛ لذا لا تسألني ماذا سنحلل؟
ربما حان الوقت لنعود إلى الأساس، إلى الحقيقة المجرّدة، إلى الإنسان الذي لا حبيب لديه في هذا الشرق الأوسط المتخم بالفراق بعد أن سرقت الحروب مواعيده الغرامية، وإلى عالم يتجه بسرعة فائقة نحو الهاوية ليستقرّ فيها، بينما لا يزال المحللون السياسيون يمسحون نظاراتهم الطبية بعناية ويشرحون ببلاغة لغوية رؤيتهم لعمق الهاوية التي نغرق فيها، من دون أن ينسوا الثناء على جماليات السقوط في منطقة اعتادت أن تُترك وحيدة بلا حب.
باحثة واكاديمية – باريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى