
الإعلام في زمن الإبادة… حين يتحوّل الصوت إلى خنجر داخلي \ عماد العيسى
في لحظة تاريخية تُباد فيها غزة والضفة على مرأى من العالم، الإعلام هنا لا يصبح ترفًا، ولا وجهة نظر، ولا ساحة تصفية حسابات،في هذه اللحظة تحديدًا، يتحوّل الإعلام إلى سلاح ،قد يكون قاتل او عكس ذلك ،إما أن يكون في صف الضحية والمظلوم ،أو يصبح بوعي أو بجهل جزءًا من آلة الإيذاء ،يضاهي الرصاصة او اكثر ، ويجب ان لا ننسى أن الإعلام ( رسالة ) .
هذا الكلام موجّه أولًا إلى الإعلاميين الفلسطينيين الحقيقيين ، لأن المسؤولية هنا مضاعفة، ثم إلى الإعلاميين العرب، لأن الصمت أو الانحراف في لحظة كهذه ليس حيادًا، بل موقفًا وهذا يحاسب عليه من قبل الله اولآ ومن المظلوم ثانيآ ، وهنا يكمن السؤال ايضآ ( أين المبادئ الاعلامية ) ،لكن قبل أي نقاش، لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها.
ما نشهده اليوم ليس فقط أزمة خطاب، بل أزمة تعريف،إذ إختلط الإعلام بالمحتوى، والمهنة بالهواية، والخبرة بالانتشار ،والجهل بالمنفعة ، عدد كبير ممن يقدّمون أنفسهم اليوم ،بوصفهم “إعلاميين” لا يعملون في الإعلام أصلًا، لا مهنيًا ولا معرفيًا ولا أخلاقيًا،هم في الواقع نشطاء منصات، أو صناع محتوى سريع يدعون الشرعية ، أو وجوه ظهرت بفعل ، “التيك توك” و”الريلز” وغير ذلك، من وسائل التواصل الإجتماعي ،لا بفعل التكوين الإعلامي أو الالتزام المهني،لا مشكلة في النشاط الرقمي بحد ذاته،ولا في استخدام وسائل التواصل كأداة دعم للقضية،لكن المشكلة تبدأ عندما يُختزل الإعلام ، كمهنة ومسؤولية ورسالة في بث انفعالي سريع وموجه، وطلب للمال بإي ثمن ،وعندما تُمنح صفة “إعلامي”، لمن لا يعرف من الإعلام سوى، الكاميرا والهاتف وعدد المشاهدات والايكات .
فالإعلام ليس عدد المتابعين،ولا القدرة على الإثارة،ولا رفع الصوت،ولا استخدام البذاءة،الإعلام معرفة، وسياق، ومسؤولية، وحدود أخلاقية، ووعي بتأثير الكلمة في زمن الحرب، وحكمآ ( مبادئ)
ومع هذا الخلط الخطير، أصبح المجال مفتوحًا لخطاب منفلت،خطاب يحرّض، يُشيطن،ويُسفّه،ثم يطالب بالحصانة باسم “حرية التعبير”،ما نشهده اليوم ليس اختلافًا مهنيًا مشروعًا، بل تفككًا
أخلاقيًا في الخطاب العام، وانزلاقًا نحو جلد الذات أمام شاشات مفتوحة، بلا تدقيق، بلا مساءلة، وبلا إحساس بثقل اللحظة،لم تُهزم القضايا الكبرى في التاريخ فقط بالقوة العسكرية، بل كثيرًا ما سقطت عندما تآكلت من الداخل،عندما فقد الخطاب البوصله،وعندما تحوّل أبناؤها إلى قضاة قساة على بعضهم،وعندما فُتحت الخلافات الداخلية، على مصراعيها لتصبح مادة استهلاك جماهيري.
في تجارب التحرر الكبرى من الجزائر إلى فيتنام، ومن جنوب أفريقيا إلى أميركا اللاتينية، كانت الخلافات موجودة، لكنها لم تُدار على “الهواء المفتوح”، ولم تُستخدم لتشويه الذات أمام العدو، ولم تتحول إلى حملات تحريض متبادلة،أما في الحالة الفلسطينية، فنشهد اليوم مشهدًا بالغ الخطورة،خطاب يُشكك في كل شيء،ويُفرغ التضحيات من معناها،ويُقدَّم تحت عناوين زائفة “الجرأة”، “قول الحقيقة”، “كسر المحرمات”،لكن الحقيقة أن ليس كل ما يُقال حقيقة،وليس كل من يتكلم يمتلك أهلية الكلام في لحظة إبادة،وليس كل نقد بريئًا من الحسابات، أو الانفعالات أو الجهل بالسياق الإعلامي الحقيقي، لا الافتراضي وليس شاهدًا محايدًا في زمن المجازر،بل فاعل في تشكيل الوعي الجمعي،إما أن يرفع المعنويات أو يكسرها، إما أن يحمي المجتمع نفسيًا أو يساهم في إنهاكه بل تدميره ،حين يتحوّل المنبر إلى ساحة تحريض،وحين تُدار الخلافات بلغة سوقية،وحين يُستباح المعنى باسم “المحتوى”،فنحن لا نكون أمام إعلام، بل أمام تشويش يخدم الرواية المعادية ولو من دون قصد ،غزة اليوم لا تحتاج “نجوم منصات براقة “،ولا بطولات لفظية،ولا مقاطع غاضبة بلا بوصلة.
غزة تحتاج خطابًا منضبطًا،يعرف الفرق بين المحاسبة والتشهير،وبين النقد والهدم،وبين الإعلام والنشاط الانفعالي المقصود ،الكلمة في زمن الدم ليست تفصيلًا،والمنشور ليس رأيًا عابرًا،ومن يختار أن يخوض معاركه الشخصية، أو الفصائلية فوق جراح الناس،أو يعبث بالوعي الجمعي تحت لافتة الإعلام،فهو يتحمّل مسؤولية أخلاقية لا يمكن التنصل منها.
هذا ليس خطاب إقصاء،ولا دعوة لإسكات الأصوات،بل دعوة لإعادة الاعتبار لمعنى الإعلام نفسه،
فالتحرر لا يُبنى بالفوضى الخطابية،ولا بتحويل المنصات إلى محاكم،ولا بمنح صفة “إعلامي” لكل متطفل امتلك هاتفًا وجمهورًا.
التحرر يُبنى بوعي،وبانضباط،وبأخلاق تسبق النصر وتحميه،ومن لا يحتمل هذا الكلام،فمشكلته ليست في حدّته،بل في أن الحقيقة، في زمن الإبادة، لم تعد قابلة للتخفيف ولا للتجميل .
وهي دعوة للنقابات الصحافية للتحرك، من أجل لجم تلك ألاصوات القاتلة ،في زمن الصمت القاتل، من قبل من يفترض أن لا يصمت وأن لا يكون ( قاتل ) .
