
وليد نويهض كتابا قراءة في الفكر التنويري الاوروبي \د. قصي الحسين
” لهذة الأسباب جاءت المقالات في سياقات سردية- إستعراضية. تحاول قراءة التحولات في إطار تاريخي… كافي للرد على أسئلة معاصرة، أنتجتها إنقلابات زمنية إمتدت على أربعة قرون”.
بعد سقوط الأندلس، ومع وصول كولومبس إلى القارة الأميركية، بدأت مسيرة جديدة في أوروبا قائمة على البحث والعلم. وتوسعة وتقوية نفوذ الدول الأوروبية التي كانت قائمة في ذلك العصر.
كانت الكنيسة أيضا في صلب هذا المشروع التحديثي والتوسعي. وكانت مشاركتها قوية، في الجدال مع أهل السلطة ومع أهل العلم ومع أهل الفلسفة. ولهذا خاضت أقسى معاركها الجدالية. وأقسى عنفها على الأرض.
مشروع الباحث وليد نويهض، كما غيره من الباحثين الكثيرين، إستوقفتهم مليا هذة الحركة وهذا الحراك، على كل المستويات. ورأوا فيها تجسيدا حيويا لتلك الكتابات والآثار التي خلفتها بل إنشقت عنها. فاعملوا رأيهم فيها وبسطوها في مقالات رائعة وجاذبة، لمن أراد التعرف على ماضي الحركة التنويرية الأوروبية، التي سرعان ما أثارت في عموم البلاد الأوروبية، وهيأت للعالم مثل هذا التقدم الذي نشاهده اليوم.
“وليد نويهض. ثلاثة مقالات في الفكر الأوروبي. نلسن-2026. (245 ص.)
يتحدث المقال الأول، عن ما اسماه صعود إنجلترا إلى القمة، في القرن الخامس عشر وفي القرن السادس عشر. يرافق صعود هذة الدولة العظمى تدريجيا، ويسلط الأضواء على العصر، كما على النخب العلمية والفلسفة والسياسية، التي شاركت في معركة الإنبناء والتطور، كما شاركت في معظم الإنقلابات التي كانت تهز أرض السياسة هناك.
“شكل القرن السابع عشر نقطة تحول في تاريخ إنكلترا، حين إنتقلت من مملكة تابعة لسلطة الكنيسة البابوية، إلى دولة مستقلة تقود إقتصاد العالم. فإنكلترا في مطلع القرن، إختلفت عن إنكلترا في نهايته.”
وقد سلط الباحث الأضواء على فلسفة السلطة المطلقة، وعلى ما عرفته إنجلترا من فوضى على كل المستويات. متحدثا عن ثورة 1688 السياسية، وعن فكرة العقد الإجتماعي والإستثناءات التي أتى بها لوك. وكذلك على المساهمات العلمية والفلسفية التي أتى بها، كل من نيوتن في عصر الانوار. وليبنتز في حديثه عن الجزء الذي لا يتجزأ.
“عاش لوك، كما ذكرنا، في ظروف إختلفت عن الفضاءات السياسية القلقة والعنيفة التي تعايش هوبز معها. لذك جاءت فلسفة لوك السياسية الناعمة، مغايرة وأحيانا متناقضة مع فلسفة هوبز الخشنة.”
في المقالة الثانية، تحدث الكاتب عن ثنائيات كانت في الفلسفة الألمانية. مسلطا الأضواء على ما سبقه. ومزيدا النظر فيما كتبه مرات ومرات، خصوصا في الطبعة الثانية. قارئا لمرحلة ما قبل البداية. وباحثا في في البداية نفسها. ونحن نرى فصولا هامة في بدايات النهوض وفي إعادة التأسيس. تماما كما نقف على فصل هام في نقد هيكل لنظريات كانت النقدية.
“بين مثالية ديكارت الإحتمالية ومثالية بركلي الدغمائية، كانت الفلسفة تدور في فضاء محوره العقل من جهة، ومفتوح على إكتشافات أخذت تفضح مدى الجهل من جهة أخرى.”
في المقالة الثالثة والأخيرة، يتحدث وليد نويهض عن المفهوم المادي للتاريخ. وذلك من خلال طرحه للأسئلة الصغيرة كما يقول. وقدم سردية مفصلة موضوعها يتمحور بإختصار شديد عند رسائل إنغلز الأخيرة بشأن المفهوم المادي للتاريخ. وكذلك عند السياسة، بوصفها وعاء التناحر الطبقي. وعند نمط إنتاج رأس المال وقوانين الدياليكتيك والمادية التاريخية.
” هذا الإختلاف في الأسلوبين، شرحه بعض المفكرين المعاصرين، إذ اكدوا أن أنغلز أكثر دقة من داروين في تحديد العناصر التي أسهمت في نقل الإنسان من مرحلة للتوحش،إلى مرحلة الإستقرار”.
ولا ينسى الباحث الحديث عن فورباخ والمثالية المادية. كما لا ينسى الحديث عن المادية بوصفها منظومة أفكار قديمة.
” كان من الصعب أن تستمر الأممية الثانية في ظل تلك الأجواء الدولية العاصفة التي أثارت البلشفية زوابعها السياسية في أوروبا والعالم.”
وفي خواتيم هذة المقالة الهامة، يتحدث الأستاذ نويهض، عن خلاصات ماركس- أنغلز عن المادية التاريخية. وعن البيان – الشبح كما يقول.
وفي البحثين الأخيرين، يتحدث وليد نويهض، عن الماركسية بوصفها أيديولوجية دولة. وعن ظلال المادية التاريخية وفروعها، والشبكة المعرفية التي إتصلت بها وتفرعت عنها.
وذيل الباحث كتابه، بمسرد للمراجع التي إستند إليها في المقال الأول والثاني. وللمراجع التي إستند إليها في المقال الثالث.
مما أضفى على هذة البحوث الثلاث، صفة الدقة والسلاسة والأكاديمية.
” لم تعد المعرفة تقتصر على المخيلة وما ينتجه الوعي الإدراكي من مقولات نظرية مفهومية… بات الشبح الذي يرانا ولا نراه حقيقة واقعة: هو يرانا ونحن لا نراه.”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.