
لا حرب أهلية في سوريا …بل استعمار مركّببقلم: أحمد الشَّهّال
مع انهيار الدولة السورية، لم تدخل البلاد في مرحلة “انتقال سياسي”، ولا انفجرت في “حرب أهلية” بالمعنى التقليدي، بل انكشفت كساحة استعمار مفتوحة تُدار من الخارج وتُنفَّذ بأدوات محلية. ما يجري ليس صراعًا داخليًا على السلطة، بل تفكيك ممنهج لوحدة سياسية ومجتمعية، وإعادة تركيبها بما يخدم منظومة الهيمنة الإقليمية والدولية.
سورية اليوم خاضعة لنمطين متوازيين من السيطرة يشكّلان نموذجًا واضحًا للاستعمار المركّب. الأول هو استعمار تركي مباشر بواجهة “الدولة الانتقالية”، يدير سلطة تابعة سياسيًا وأمنيًا، ويشرف على جهاز قمع ميليشيوي منفلت ينفذ سياسات تهجير ممنهجة، كما في الساحل السوري. الثاني هو استعمار صهيوني عسكري–أمني سافر، يتدخل بلا تردد، يقصف ويحتل، ويعيد رسم الخرائط لتحويل سورية إلى كانتونات ضعيفة، مستندًا إلى خطاب “حماية الأقليات” ذريعة استعمارية لتبرير العدوان.
تركيا لا تؤدي دور “الوسيط”، بل القوة الإقليمية التي ورثت فراغ الدولة المنهارة. فهي تشرف على سلطة تابعة، وتدير عبر الفصائل المسلحة جهاز إخضاع وظيفيًا لتفكيك المجتمع وكسر أي بيئة تعيق تثبيت النفوذ. المجازر والتهجير ليست تجاوزات عابرة، بل سياسة مقصودة لإعادة هندسة المجال السكاني بما يخدم مشروع السيطرة.
الصراعات الداخلية مثل مواجهة «قسد» والحكم “الانتقالي” في حلب لا تعبّر عن تناقض وطني حقيقي، بل تُدار أمريكياً–صهيونياً لإدامة التفكيك. لا تمثّل “قسد” مشروع تحرر وطني، ولا يمثّل الحكم الانتقالي سيادة فعلية، بل كلاهما جزء من منظومة إدارة الصراع، تُستخدم فيها المسألة القومية والحقوق المحلية كذرائع لإدامة الانقسام.
استهداف العلويين مثال على استخدام الطائفية كأداة لتفكيك النسيج الاجتماعي، وليس كمحرك أصلي للصراع. الطائفية هنا وسيلة لتسهيل إعادة هندسة المجتمع ونهب الثروات، وتحويل الانقسام الأهلي إلى شرط دائم للسيطرة. الصراع بين تركيا و“إسرائيل” ليس أخلاقيًا، بل تنافس بين نمطين من الاستعمار: الأول يريد سورية موحّدة شكليًا لكنها تابعة، والثاني يريدها مفككة بلا مركز أو جيش. وبين المشروعين يُذبح المجتمع السوري، وتُستباح دماء الفقراء والكادحين.
المقاومة الوطنية والشعبية تبقى العقبة الأساسية أمام اكتمال المشروع الصهيوني–الإمبريالي، فهي ليست فعلًا عسكريًا معزولًا، بل تعبير عن صراع طويل ضد تحويل المجتمعات إلى أسواق وساحات نفوذ. لذلك تُستهدف منهجيًا، لأنها تمنع تحويل الاحتلال إلى واقع دائم.
ولا يقل خطرًا عن الاحتلال ذاته التواطؤ الرجعي العربي، الذي يشارك سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا في حصار قوى المقاومة، ويقدّم التطبيع بوصفه “واقعية سياسية”، فيما هو اندماج كامل في منظومة الهيمنة الإمبريالية. هذا التواطؤ يجعل مهمة التحرر الوطني أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد المواجهة عسكرية فقط، بل اقتصادية وإعلامية وثقافية أيضًا.
ما يجري في سورية، إيران، فنزويلا وغيرها، ليس أزمات منفصلة، بل تعبير عن نظام عالمي يعيد ترتيب الأطراف بالقوة، ويعاقب كل من يخرج عن دوره “الوظيفي” المرسوم له. الخروج من هذا الجحيم لا يمر عبر اصطفافات طائفية، ولا عبر الرهان على استعمار ضد آخر. الحل يكمن في إعادة بناء وعي وطني–اجتماعي تحرري عابر للطوائف، يربط الصراع بالمشروع التحرري ضد الاحتلال الصهيوني، وضد الهيمنة الإمبريالية ووكلائها المحليين.
ما عدا ذلك، ليس سوى إعادة تمثيل للمسرحية ذاتها… فوق الدم نفسه.
