مقالات

السلاح والانقسام: كيف تُقوِّض الرهانات الخاطئة القضية الفلسطينية \ كتبت لارا الاحمد

يُثار في السياق الفلسطيني اليوم نقاشٌ بالغ الحساسية حول إصرار حركة حماس على الاحتفاظ بسلاحها، وما إذا كان هذا الخيار يخدم فعلاً القضية الفلسطينية أم يفاقم أزماتها. فبعيداً عن الشعارات العاطفية، يفرض الواقع السياسي والعسكري قراءة نقدية هادئة، تُميّز بين مقاومة الاحتلال كحق مشروع، وبين توظيف السلاح في معادلات داخلية تُفضي إلى نتائج عكسية.

إن الإصرار على الاحتفاظ بالسلاح، كما يبدو في الممارسة، لا ينفصل عن هدفٍ أساسي يتمثل في الحفاظ على سلطة حماس في قطاع غزة، حتى لو كان الثمن تعميق الانقسام الفلسطيني. فالسلاح هنا لا يُستخدم فقط في مواجهة الاحتلال، بل يتحول إلى أداة لضبط الداخل، وتكريس واقع سياسي منفصل عن بقية الجغرافيا الفلسطينية. هذا الواقع يضعف الموقف الوطني الجامع، ويُفرغ فكرة الشراكة السياسية من مضمونها، ويُبقي الفلسطينيين أسرى انقسام طال أمده وأرهق قضيتهم.

في المقابل، يستفيد الاحتلال الإسرائيلي من هذا المشهد إلى أبعد الحدود. فوجود فصيل مسلح خارج إطار إجماع وطني موحّد يمنح إسرائيل الذريعة الدائمة لتبرير سياساتها العدوانية، من حصار وتدمير وقتل جماعي، تحت عنوان “الدفاع عن النفس”. وفي ظل تفوق عسكري إسرائيلي ساحق، ودعم دولي واسع، تصبح المواجهة غير المتكافئة كارثية على المدنيين الفلسطينيين، بينما يظل ميزان القوى مختلاً بصورة لا تسمح بتحقيق إنجازات سياسية حقيقية.

الأخطر من ذلك أن الاعتماد على شكل واحد من أشكال النضال، أي الكفاح المسلح وحده، يُقزِّم القضية الفلسطينية ويحصرها في بعد أمني، متجاهلاً أدوات أخرى لا تقل أهمية، مثل النضال السياسي والدبلوماسي، وبناء وحدة وطنية حقيقية، وتفعيل القانون الدولي، والعمل الشعبي المنظم. فالتجارب التاريخية تؤكد أن حركات التحرر الناجحة لم تراهن على السلاح وحده، بل على رؤية شاملة تجمع بين أشكال متعددة من المقاومة.

في ظل حرب طويلة، واستنزاف بشري واقتصادي هائل، يصبح السؤال الملحّ: هل التمسك بسلاح خارج إطار استراتيجية وطنية جامعة يحمي القضية، أم يساهم في إضعافها؟ إن إنقاذ القضية الفلسطينية اليوم لا يبدأ من فوهة البندقية فقط، بل من إعادة بناء البيت الفلسطيني على أساس الوحدة، والعقلانية السياسية، وتغليب مصلحة الشعب على مصلحة السلطة، أيّاً كان شكلها أو موقعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى