مقالات

الرجل أثرا \ د. قصي الحسين

قلما نكترث للآخرين. نعتبرهم من الموجودات وليس من الموجودين، كما قال ذات مرة (منح بك). أردت الصديق منح الصلح، الذي غادرنا باكرا، ونحن في عز الحاجة إليه، حين تحاصرنا المدينة، وحين يشتد الهول علينا.

القاعدة العامة، أن يمضي المرء يومه، مندفعا إلى الأمام. لا يلتفت خلفه. ربما تأثر بما كان يسمعه، في البيت والمدرسة والجامعة. و كذلك في سوق العمل. كان مثل ذلك الرجل، يسمونه الرجل الطامح أو الطموح. قلة من الرجال، من كان ينظر في مرآة السيارة التي يقودها. همه الإندفاع إلى الأمام، يسابق ريحه. همه الوصول، كيفما كان الوصول. وكيفما كان الحاصل والمحصول. لا يريد الحفاظ على رتبة قائد، بقدر ما يريد الحفاظ على رتبة كاسب، أو طامع أو طامح. حتى يقولوا له: هو الطموح.

لا أريد هاهنا أن أنزه القائد عن فكرة الكسب. لأن كل كسب مؤسس للتقدم. ولكن أريد أن ينتبه كل منا، إلى ما في ذاته من صفات القيادة. كيف ينميها وكيف يطورها، وكيف يجعلها أثرا أو مأثرة. ولهذا يتباين الناس فيما بينهم، بقدر ما ينتبهون لتنمية الشعور الذاتي ب”فن القيادة”، ولو في بذلة غير كحلية. غير رسمية. ولو بدون ياقة، أو ربطة عنق. وأن تأتي القيادة إليه من خلال عمله، على رسلها، لا أن يطلبها من “متجر السوق”. تنمو على السجية والطبع، بلا صنعة ولا تصنع ولا تصنيع. تنمو في داخله، تماما كما تنمو أحلام المرء بأخلاقه الذاتية على الفطرة، لا بأوهامها. ومن دون أية نرجسية. فهناك فرق شاسع، بين الحلم الخلوق، والحلم الواهم. أو قل الحلم الواهن، لا فرق!

لربما أحبذ الرجل، أيا كان هذا الرجل، قائدا خلوقا، في شخصه وفي تربيته، وملء ثوبيه، دون أن يكون على رأس جحفل. على رأس حزب على رأس فريق. أحب ذلك الرجل قائدا يترك أثره، في أي مكن، يكون فيه. أو في أي مركز يملأه. أو في أي عمل يعمله، حتى ولو كان موظفا في إدارة عامة، يتناطح، بل ينتطح، بل ينبطح فيها الموظفون، لتسلق الأدراج. أو حتى في أي مقهى، أو في أي مجلس. يتساقطون عنها، لأنهم، لا قدرة لهم على مسك أنفاسهم، أو بالحد الأدنى، على حبسها، حتى تسلس لهم المهام. غرضهم الوصول إلى القيادة تسلقا، بينما تنتظرهم القيادة في مكان آخر: في الأثر والمأثرة التي طبعت نفوسهم عليها. أو في المسيرة، التي شكلت عبر زمنها، سيرتهم الذاتية..

الرجل قائدا بنظري، هو الرجل أثرا بين الناس. له شغف المحبة للجميع. وله شغف العمل كجندي مجهول. كجندي خلوق. خلقه، جزء من رسالة، جعلها رسالته: التضحية والشجاعة الأدبية والوفاء. وكذلك الإندفاع، دفاعا عن كرامة مجتمع ووطن. وأمة… دفاعا عن الصف الذي يشعر أنه يتقدمه، لا بمرسوم ولا بقرار، وإنما بإرادة صاحبه، الذي لا يمايز بين كرامته الشخصية وكرامة غيره. أو حتى كرامة وطنه وأمته. لأن القائد، إنما هو الرائد الذي لا يخذل أهله.

راجي البساط، واحد من القادة الذين إنبسطوا بين العامة، مثل ماء الحياة. داهمتهم الأحداث، تماما مثلما داهمت الوطن. ومثلما داهمت الأمة. نعم. عركتهم الحياة برحويها. وصهرتهم في أتونها. فنهضوا للناس من جديد رغيفا ساخنا. يترك أثره في أيديهم، ويملأ الرئتين بغبار الطحين الطيب. ممزوجا بطينة الطيبة. وربما أكثر: بطينة طيبة. وبدموع سنابل العمر. بجنى الحصادين: بيادر بيادر. بحصان ونورج ونساف. وكيال. وريح…. وعيال يتسابقون إلى الرغيف، في وطيس الهاجرة. في عز الهجير…

أبو عامر، من ريح جيل مضى. من ريح جيل يجيء. من ريح جيل يتقدم وئيدا وئيدا. تماما كما هسيس المودات الحارقة..

الرجل أثرا، حين يكون قائدا بلا قيادة. وبين يديه السعادة. سعادته في إدارة أزمة. سعادته في إدارة الأزمات. سعادته في بصمة أثر تركها على درب، كانت فيما مضى دربه. لطالما نزع الأشواك بيديه، وأخفى جرحه. أخفى جروحه…

القائد، نعم، كما الرائد، لا يخذل أهله. أبو عامر أثرا ومسيرة، مجموعة من القادة الرواد، تتقدم. بلا تأخر عن موعد. وبلا تغيب. خصوصا حين يكون مديرا عاما. وحين يكون أمينا عاما. أو حين يكون أستاذا. أو حين يقف في صفوف الحياة، يتقدم الصفوف كما المقدام. لا عن كسب، بل عن شجاعة و بطولة. ثم ينظر في المرآة خلفه. تماما، كما ينظر إلى الأمام.

الرجل أثرا، هو أبو عامر: عنيت الأستاذ الجامعي لمن لا يعرفه. عنيت: محمد راجي البساط. الرجل القائد الرائد الخلوق المهذب. والمربي. و العائر ربما، لما لا! وهو الذي نعرف. وهو هو في كل درس أو مجلس أو ندوة، أو حاضرة، يردد في نفسه، ما قاله الشاعر:
ولست بمستبق أخا، لا تلمه/ على شعث. أي الرجال المهذب.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى