
حين تتحوّل المؤسسة إلى غرفة تحقيق… ويسقط القناع عن «انتظام المؤسسات»د. زياد منصور \ المصدر https://beirut2030.me/?p=3620
تستسهل السلطة من السياسية إلى القضائية اليوم، عن سابق إصرار وتصميم، توقيف الإعلاميين، وتأديب المعارضين واستدعاء الأساتذة الجامعيين، وجرّ الأكاديميين ورجال الفكر إلى دهاليز التحقيق، لا دفاعًا عن القانون ولا حرصًا على العدالة، بل تحت شعار مزيّف اسمه «انتظام عمل المؤسسات». لم تعرف الدولة، منذ نشأتها، هذا القدر من العبث المنظّم، ولا هذا المستوى من الانحلال المقنّع بالقانون، كما تعرفه اليوم. ما يجري ليس انتظامًا، بل نسفٌ كامل للمسار الطبيعي للمؤسسات، وتشويهٌ متعمّد لوظيفتها، وتحويلها إلى أدوات تأديب وانتقام وتصفية حسابات.
هذه الفوضى ليست طارئة، بل هي نتاج هيمنة طويلة للأحزاب والطوائف على مفاصل القرار الإداري والسياسي وحتى الأمني وصولاً إلى كل دوائر القرار. سلطة تستبعد من تشاء، وتؤدّب من تشاء، وتغلق الملفات أو تفتحها وفق ميزان الولاء لا وفق ميزان المعايير. هي المرّة الأولى التي يُستدعى فيها إعلاميون، وأساتذة جامعيون، ومهنيون مستقلّون، للتحقيق أو الاستنطاق بحجج واهية، ووشايات رخيصة، وتقارير نميمة، من دون أي إطار يحميهم، أو مرجعية تُحترم، أو أصول تُراعى. يُستجلب رجل فكر أو أستاذ جامعي إلى التحقيق أحيانًا، من دون العودة إلى مرجعيته، في فوضى غريبة لم يشهد لها لبنان مثيلًا.
في المقابل، يُترك المتحصّن حزبيًا أو مذهبيًا خارج أي مساءلة، وتُطوى القضايا إذا وقفت المرجعية السياسية أو الدينية لتحميه. يُحاكَم غير المدعوم، ويُكافأ الفاسد المحمي. هنا لا نتحدث عن عدالة، بل عن عدالة انتقائية، وعن قانون يُستحضر لإدانة البعض، ويُعطَّل لحماية البعض الآخر.
العيب لم يعد فيمن يُحاسَب فقط، بل فيمن يضع معيار العدالة نفسه. لقد أصبح الأستاذ يخاف من الطالب، والموكّل من المحامي، والطبيب من المريض، والمشعوذ من الشيطان، وأضحى التقيد بالأنظمة ليس احترامًا للقانون، بل خضوعًا أعمى لتعاميم وقرارات فارغة، تُنتج مزيدًا من الإرباك، وتشلّ المؤسسات بدل أن تنظّمها. بهذا فإن الفكر العسكريتاري هو السائد: أوامر بلا روح، تعاميم بلا معنى، قرارات بلا رؤية، وسلطة لا تعرف سوى لغة القمع الإداري.
الأدهى أن الأستاذ الجامعي على سبيل المثال والذي خرّج قضاة ورجال قانون، يجد نفسه اليوم واقفًا أمام من كان تلميذه، يُستجوب باسم سلطة أفرغت القانون من مضمونه. تُدان النقابات حين تدافع عن منتسبيها، ويُضرب المحامون المستقلّون من دون أي اعتبار لحصانتهم الوظيفية، فيما تُرفع العصبيات المذهبية دروعًا فولاذية في وجه أي مساءلة.
نحن لا ننكر وجود فساد مستشرٍ، ولا ننفي وجود فاعلين فاسدين في كل الإدارات. لكن الكارثة أن يُحاسَب الضعيف وحده، وأن يُترك من سرق الدولة وأفرغ خزائنها ودمّر مؤسساتها، ليتمرّد عليها اليوم، ويدين ممارساتها، ويتباكى على انهيارها، ناسياً – أو متناسيًا – أنه جوهر مصيبتها الكبرى.
لقد أفلست الدولة على أيدي من حكمها، فلا السنّي براضٍ، ويرى الشيعي نفسه مستباحًا، والماروني مسلوبًا، والأرثوذكسي مغمومًا، والكاثوليكي ملحقًا، والدرزي مصادرًا، فلن تجد أقلية مقتنعة، ولن تعرف أكثرية متصالحة مع ما نالته وتحاصصت عليه. الجميع مغبون، لأن الكعكة نُهشت حتى العظم، وحين جفّت الموارد، ولم تعد الدولة قادرة على توزيع المغانم، وفقد المغانم والدرر، بدأ اللصوص أنفسهم يصرخون باسم الحقوق.
ما نعيشه اليوم ليس أزمة إدارة، بل انهيار مفهوم الدولة. الفوضى تستشري، الخوف يعمّ، الجوسسة والنميمة والتقارير تحكم عالم المؤسسات، والمعايير تُرفض إذا لم تناسب الجماعة المذهبية. يعلو الصراخ باسم العدالة، ثم يعود كل فريق إلى متراسه الطائفي، حيث «حقوق جماعته» تعلو فوق القانون، وفوق الدولة، وفوق فكرة العدل نفسها.
الحل ليس في مزيد من التحقيقات الاستعراضية، ولا في استدعاء العقول الحرة، بل في العودة الصارمة إلى معيار الكفاءة والنزاهة، دون استثناءات، ودون حصانات سياسية أو مذهبية. وما لم يحصل ذلك، فكل حديث عن دولة، وقانون، وانتظام مؤسسات، ليس سوى كذبة كبرى… تُدار في غرفة تحقيق.
