
…وفي ظُلمَة الايام ،نفتقدك ابا علي تحسين .نبيل الزعبي
لا يمكن ان تمر علينا مثل هذه الايام من شهر تشرين الثاني دون ان يكون لشهيدنا تحسين الاطرش حيّزاً كبيراً وواسعاً من التفكير والتأمُّل ونحن نستذكر مناضلاً كبيراً مثَّل احد اهم أعلام الفكر والثقافة التي كان عليها رفيقنا العزيز ابو علي ، هذا الإنسان المرهف الحِسّ المجبول بأخلاقيات المناضل الثوري والمعجون بحبّه لمدينته التي انطلق منها في مسيرة نضال شعبي ، مهني وطني وقومي حافلة بمحطات الشرف والعطاء : ابناً بارّاً للمدينة ، محامياً لامعاً مدافعاً عن كل من يقصده في مكتبه بشارع السنترال ،مثقفاً على درجة عالية من الاطلاع على التراث والأفكار ، عضواً فاعلاً في قيادة قطر لبنان لحزب البعث العربي الاشتراكي ومسؤولاً عن الإعلام القطري للحزب مضفياً على الكلمة الملتزمة قداستها ومحدِّداً للجملة الثورية هدفاً اساسياً لا مَحيد عنه متمثلاً بالدفاع عن وحدة لبنان وعروبته وأمنه واستقراره وحق ابنائه في حياةٍ كريمة لا فضل فيها للبناني على لبناني آخَر إلا بقدر الانتماء الحقيقي لبلد كانت فيه المواطنة تتعرّض لابشع واخطر أنواع التسعير الطائفي والمذهبي والمناطقي ولعلّ ذلك كان من اهم الاسباب الدافعة لاغتيال هذا المناضل الانسان الأعزل من السلاح الا سلاح الموقف والكلمة الملتزمة التي كانت عنواناً لنهجٍ وطني سليم بقي ملتزماً به حتى الرمق الأخير فلم يدركه المجرمون الذين كانت الكلمة تخيفهم اكثر مما يفعله السلاح .
في مثل هذه الايام الموافقة لبداية الثمانينات من القرن الماضي في ١٧/١١/١٩٨١ تحديداً ، رحل تحسين الاطرش شهيداً على درب الانتماء الحقيقي للبنانه وعروبته ولو كان لقاتليه ذرَّةً من وطنيةٍ واخلاق لكانوا رموه بوردةٍ بيضاء عطرة قبل ان يجهزوا عليه بسلاحهم وإجرامهم ولو فعلوا ذلك لكانوا وفّروا رصاصاتهم الغادرة لمواجهة اعداء الوطن من صهاينة الخارج والداخل اولاً ، وحفظوا لبلدهم طاقةً ثقافية فكرية اخلاقية بمستوى هذا المناضل البعثي الكبير ثانياً كم كانت الساحة اللبنانية التي تعجُّ اليوم بمختلف أشكال التحديات المصيرية الداخلية والخارجية تحتاجه وهي تفتقد إلى الخطاب التوحيدي الهادئ المترفّع عن العصبيات والتحريض والتعبئة الفْتنَوِيّة الذي كان يمثلِّه شهيدنا صاحب القلم الذي لم يعرف الحقد يوماً وكم تتذكره مدينته طرابلس اليوم بمواقفه وتوجيهاته لرفاقه وأحبابه لنبذ كل أنواع الكراهية للآخَر حتى لو كان اشد خصوم السياسة فلم يكن يرى سوى الحوار السليم بديلاً عن الاحتقان وان مبادلة المشاحنة بمشاحنة لا تقدّم سوى المزيد من الشروخ النفسية والشخصانية بين ابناء البلد الواحد وَلَكَم كانت هذه المثالية الاخلاقية من اهم ما طُبِعَت عليها سماته الشخصية باعتراف الخصم والصديق .
نستذكرك رفيقنا ابا علي وكأننا بك مثابراً على تواصلك مع الرفاق في بدايات حلقات التثقيف ونحن نحبو في ميادين الالتزام بقضايا امتنا ووطننا العربي الكبير مستلهمين حرصك على تشجيع الجميع على القراءة والإلمام بكل ما يخدم الفكر العربي التقدمي الثوري من طاقات فردية وجماعية فلم تكن لتبخل علينا وانت تزوّدنا بما ذخرت مكتبتك الغنية من كتبٍ ودوريات مشترطاً عدم طوي الصفحة الأخيرة دون مناقشتها بإسهاب ووضع ما في طيّات الصفحات الأخرى امام مِشرَح النقد والتحليل للوصول إلى الخُلاصات التي تصقل المناضل وتجعل منه الطليعي الذي يجب ان يتقدّم الصفوف الامامية كمهمة اساسية مطلوبة من البعثي ان يقدمها للجماهير وهو يشاركها يومياتها في همومها وتحدياتها كما في أفراحها ولحظات انتصارها .
في جِنان الخُلد يا ابا علي وكإني بك اليوم وانت في عليائك تهزأ من غادريك الذين لم يدركوا ايَّ مناضلٍ قتلوا كم هم أحوج اليه اليوم في عزِّ ظُلمَة هذا الزمن والايام المصيرية التي تحتك لها الركاب وما عاد سوى المخلصين الصادقين نواةً لخلاص هذه الامة واستنهاضها من كبوتها وانت كنت خير أخيارها الصادق والامين .
نفتقدك اليوم وأربعة عقود ونيّف من السنين مرّت على الرفاق والاهل والاحباب وكإنها البارحة والرياحين على ضريحك تضوع بعطرها على مدى مراقد الشهداء في مدينتك الوفية التي لم تبخل على الوطن الصغير والكبير يوماً بما قدمته وتقدمه من خيرة ابنائها على طريق الشهادة والعطاء اللامحدود فكنت ورفاقك الأكرم منا جميعاً كما سطّر ذلك بدمائه وحياته شهيدنا الأكبر القائد صدام حسين فهنيئاً لمن سبقنا بالشهادة وطوبى لمن ينتظر والمجد لمن لم ببدِّلوا تبديلا .
