
الفشل السياسي في لبنان وتحويل الحوادث المحلية إلى أزمات وطنية!د. سمير حسن عاكوم \ المصدر: جريدة اللواء
أخبرني اللواء ياسين سويد حكاية تحمل درساً عميقاً في فن الحكم، ذلك الفن الذي أضاعته سلطة المحاصصة في مرحلة ما بعد الحرب ضمن ما راكمته من تدمير متتابع للصيغة اللبنانية. كان والد اللواء شيخاً يتولّى منصب مفتي حاصبيا، حين بلغه أنّ أحد أبناء المنطقة عاد من رحلة الحج وهو يروّج خطاباً إقصائياً يُحرِّم مشاركة المسيحيين طعامهم لأنهم «كفار». لم يكن الرجل عالماً ولا مرجعية دينية بل فرداً بسيطاً ضعيف الثقافة الدينية دفعته هشاشته المعرفية إلى الانحراف عن ثقافته المدنية المنوّرة نحو لغة استبعاد مستوردة تشبه بيئات قبلية أحادية الثقافة معادية للتنوّع تعرّف إليها خلال رحلته.
لم يردّ المفتي بالقمع ولا بالإدانة العلنية ولا بحملات «مكافحة التطرّف». بدلاً من ذلك لجأ إلى مقاربة حكيمة وذكية، اتصل بخوري الرعية في القرية المجاورة وطلب منه إعداد غداء جامع في بيت الخوري ثم دعا وجهاء المسلمين للمشاركة. جلس الجميع إلى مائدة واحدة فتبدّد الخطاب المتشنّج فوراً. لم يكن ما فعله رمزاً فحسب، بل إعادة وضع الظاهرة في سياقها الاجتماعي والأخلاقي الصحيح.
هذه ليست حكاية وعظية، بل نموذج حكم رشيد يتناقض جذرياً مع الطريقة التي تُدار بها التوترات الاجتماعية في لبنان اليوم.
إن تداول مقاطع تُظهر أطفالاً في طرابلس يرددون عبارات إقصائية أمرٌ مقلق تربوياً وأخلاقياً. لكن تقديمه بوصفه دليلاً على «تطرّف بنيوي» أو «تهديد وجودي» أو «أزمة تعايش» ليس توصيفاً موضوعياً بقدر ما هو تلاعب سياسي متعمّد. فالأطفال لا يصنعون أيديولوجيات بل يعكسون بيئات صاغها الفقر والتهميش، والسعي الطبيعي للانتماء في بلد ما بعد الحرب حيث الكيانات الاجتماعية مهدّمة والثقة بالدولة غائبة.
طرابلس، وهي من أكثر المدن اللبنانية تهميشاً وفقراً، استُخدمت على مدى عقود كبش فداء جاهز. وكلما واجه النظام السياسي أزمة شرعية أو فشلاً اقتصادياً، جرى تصوير المدينة على أنها «مشكلة أمنية» أو «حاضنة تطرف»، فتُصرف الأنظار عن جوهر أزمة نظام الإمتيازات وتحالفات مصالح وحرمانٌ مزمن من الحقوق الأساسية ومعه فشلُ طبقة سياسية مرتهنة لحساباتها وتبعيتها أوصلت طرابلس والشمال الى ما وصلت إليه.
ولا يعمل الجزء الأوسع من المنظومة الإعلامية في لبنان كسلطة رقابية بقدر ما يعمل كأداة لتضخيم الهلع العام وصناعة الخوف والإثارة. فبدل تفسير الوقائع ضمن سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، يجري تضخيمها وتعميمها وتحويلها إلى صراع هويات يُصوَّر كأنه يهدّد الوجود.
تُشبه هذه الحالة على سبيل الاستعارة ما يُعرف في علم المناعة بالاستجابة الذاتية المدمّرة، حين يهاجم الجهاز المناعي الجسد بدل أن يحميه. وهذا ما يحدث عندما تُشيطَن جماعات بأكملها، ويُبرَّأ الفشل المؤسسي ويُستبدَل النقاش العام بالخوف والتحريض. ليس هذا سلوكاً عفوياً بل استخدامٌ أداتي يخدم أنماط حكم قامت منذ عقود على إدارة الانقسام لصالح سلطة تستثمر في التشويه المقصود كي تُطيل عمر تسلّطها.
الأنظمة الحيوية السليمة لا تقضي على التنوّع بل تنظّمه وتستثمر فيه. وجهاز المناعة لا يُبيد كل الكائنات الدقيقة بل يحافظ على توازنها. فالمرض لا ينتج عن التعدد بل عن الاختلال. وفي المجتمعات أيضاً لا يهدّد التنوّع الاستقرار، ولا ينقض الاختلاف الوحدة. وليس الدين هو سبب العنف، بل يظهر الخطر الحقيقي حين تفشل المؤسسات في إدارة التنوّع، وحين تُسَلَّح الهويات لخدمة السلطة، وحين يُستبدَل الحكم بالقسر والزبائنية. لذلك أزمة لبنان ليست أزمة تعايش بل أزمة دولة عاجزة عن استعادة مكانتها وشرعيتها.
وتؤكد النصوص الدينية عبر مختلف العقائد مبادئ العدل والتعايش وضبط القوة. ففي الإسلام تتجاور نصوص البرّ والقسط مع نصوص التمايز الديني لا بوصفها تناقضاً بل كإطار لإدارة الاختلاف ضمن حدود الاحترام وقواعده. يقول تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ… أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} ويقول أيضاً {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ وتَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ}. ليست هذه تناقضات بل قواعد لإدارة التنوّع المدني السليم. المشكلة ليست في النصوص، بل في اقتطاعها لخدمة العصبية والسياسة وهذا الانحراف موجود في كل الأديان والطوائف الواحدة بمستوى أكبر حين يُفصل الإيمان عن الأخلاق ويُربط بالسلطة.
إن اقتطاع النصوص الدينية من سياقها وتحويلها إلى أدوات تعبئة سياسية هو انتهاك لجوهر الدين ولمبادئ حقوق الإنسان معاً. والتاريخ يثبت أن أعنف أشكال التكفير غالباً ما وقعت داخل الدين الواحد والطائفة الواحدة لا بين الأديان، في لبنان وأوروبا ومناطق أخرى من العالم.
المشكلة إذاً ليست في الإيمان بل في تسييسه. فالأمن لا يعوّض غياب العدالة الاجتماعية ولا يُصلح تشوّه الكيانات الاجتماعية. والتعامل مع الظواهر الاجتماعية عبر التوقيفات أو البيانات الأمنية أو الإجراءات العقابية لا يعالج الأسباب الجذرية بل يفاقمها، فالأمن لا يبني وعياً ولا يعيد ثقة ولا يصنع مواطنة.
الحلول المستدامة تتطلب تعليماً جامعاً وتنمية عادلة وثقة بالمؤسسات ومساءلة حقيقية وتوجيهاً للطاقات، وقبل كل ذلك عدالة انتقالية واجتماعية تقلّص الفجوات وتعيد الاعتبار للمواطن أينما كان، ومن دون ذلك يبقى القمع مجرد تأجيل للأزمة.
يعاني لبنان إرثاً مزدوجاً، نظام امتيازات تعود جذوره إلى المرحلة الكولونيالية وسلطة محاصصة ميليشيوية لما بعد الحرب. وقد حوّل هذا الإرث الدولة إلى اداة لشبكة مصالح فكانت النتيجة تفريغ المواطنة من مضمونها واستبدالها بالزبائنية الطائفية، وعزل مجتمعات وتهميشها وتجفيف فرصها. ومن دون عدالة انتقالية تعوّض التدمير الاجتماعي في طرابلس وغيرها يستمر الإعلام التحريضي بلا محاسبة، وتتراكم المظالم الجماعية ويُستبدَل الحكم الرشيد بإدارة الخوف. العدالة الانتقالية ليست انتقاماً بل إعادة معايرة «المناعة» الوطنية كي تميّز بين التنوّع المشروع والتلاعب الهدّام.
وتُظهر تجارب دول خرجت من انقسامات عميقة مثل جنوب أفريقيا وتشيلي وأيرلندا الشمالية ودول أوروبا الشرقية أن الاستقرار لم يتحقق بقمع الاختلاف، بل ببناء مؤسسات قادرة على إدارته. وقد اشتركت هذه التجارب في مسارات حقيقة ومصالحة وضمانات دستورية للمساواة وتنظيم مستقل للإعلام واستثمار اجتماعي في المناطق المهمّشة. لم تقضِ هذه الدول على كل «الجراثيم» بل قوّت المناعة.
نعم، ما يواجهه لبنان ليس أزمة ثقافية ولا دينية بل فشلاً في الحوكمة. حين تتخلّى الدولة عن دورها تتحوّل التوترات الاجتماعية إلى أسلحة سياسية. وحين تنهار المؤسسات يحلّ الهلع الإعلامي محل السياسات العامة. وحين تغيب العدالة يصبح الخوف منطق الحكم. الدولة السليمة لا تنقاد لأسوأ نزعاتها بل تضبطها. ولا تسمح لعناصرها المضرّة بتوجيه مصيرها، بل تحيّدها بالقانون والعدالة والمساءلة وبحكمة التعامل.
بقاء لبنان مرهون باستعادة منطق أهل الحكمة أمثال الشيخ المفتي والد اللواء سويد وباستعادة فلسفة المدنية المنوّرة داخل المجتمع. فالخيار ليس بين التنوّع والاستقرار بل بين دولة تحكم وتطوّر «مناعتها» ودولة تُدار بأمراضها حتى الانهيار.
وأخيراً نطرح السؤال، ما هي فلسفة المَدَنيّة المنوّرة التي يجب العمل على استعادتها في لبنان والمنطقة؟ هذا ما سنجيب عنه لاحقاً.
