مقالات

حين يتحوّل اللوح إلى شاهد… حكايات النزوح في مدارس طرابلس \ كتب وسام عجم

حين يتحوّل اللوح إلى شاهد… حكايات النزوح في مدارس طرابلس بقلم: وسام عجم في طرابلس، لم تعد الحرب خبراً يُتابَع من خلف الشاشات، بل أصبحت واقعاً يومياً يتسرّب إلى أدق تفاصيل الحياة، حتى داخل المدارس. هناك، حيث كان الأطفال يقفون أمام اللوح لقراءة دروسهم، تحوّلت الصفوف إلى مساحات للنوم، والباحات إلى أماكن انتظار طويلة، تختلط فيها الهموم بصمت ثقيل لا يشبه ضجيج المدارس المعتاد. مع تصاعد النزوح من مناطق التوتر، فُتحت أبواب عدد من المدارس في الشمال لاستقبال العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها على عجل. خلال وقت قصير، امتلأت الصفوف بعائلات تحمل ما خفّ وزنه من متاعها، وتترك خلفها حياة كاملة لم يكن في الحسبان أن تُعلّق بهذه السرعة. في بعض هذه المدارس، تتقاسم أكثر من عائلة الغرفة الواحدة، تفصل بينها أغطية أو ستائر مؤقتة، في محاولة لخلق حد أدنى من الخصوصية داخل مكان لم يُصمَّم أصلاً للسكن. داخل هذه المساحات الضيقة، تتبدّل معايير الحياة اليومية. الحصول على الماء يصبح مهمة، والكهرباء رفاهية متقطعة، واستخدام الحمامات المشتركة يفرض واقعاً صعباً على الجميع، خصوصاً مع ارتفاع أعداد المقيمين في المكان الواحد. أما الطعام، فيعتمد إلى حد كبير على المساعدات التي تصل بشكل غير منتظم، فيما تبقى الاحتياجات الأساسية – من أدوية وحليب أطفال ومواد تنظيف – في دائرة النقص المستمر. الأطفال هم الأكثر تأثراً بهذا التحول المفاجئ. بعضهم لا يزال يحمل حقيبته المدرسية، لكن من دون أن يعرف متى سيعود إلى مقعده الحقيقي. اللوح الذي كان مساحة للتعلم، بات خلفية لواقع جديد لا يشبه طفولتهم. يحاول بعضهم اللعب في الممرات أو الساحات، بينما ينسحب آخرون إلى صمت مبكر، وكأنهم استوعبوا فجأة ما لا يجب أن يستوعبه طفل في هذا العمر. الخوف من الأصوات المرتفعة، القلق الليلي، والتعلّق بالأهل بشكل غير اعتيادي، كلها مؤشرات على ضغط نفسي يتراكم بصمت. في إحدى الزوايا، تجلس أم تحاول ترتيب مساحة صغيرة لعائلتها، تنظف وتغسل وتطهو بما تيسّر، محافظةً على ما تبقى من روتين الحياة. بالقرب منها، أب يراقب أطفاله بصمت، محاولاً أن يبدو ثابتاً رغم القلق الذي يثقل ملامحه. هنا، لا تُقال الكثير من الكلمات، لكن التفاصيل الصغيرة تكشف حجم ما يمر به هؤلاء الناس. ورغم قسوة الظروف، تظهر أشكال متعددة من التضامن. شبان متطوعون ينظمون توزيع المساعدات، نساء يتشاركن المهام اليومية، وأهالٍ يحاولون خلق نوع من النظام داخل الفوضى. كما تسعى الجهات المحلية إلى إدارة هذا الواقع ضمن إمكانيات محدودة، في محاولة للتوفيق بين استمرار العام الدراسي وتأمين الإيواء، وهو تحدٍّ معقّد يتفاقم مع ازدياد أعداد النازحين. ومع استمرار تدفّق العائلات، تقترب القدرة الاستيعابية لهذه المراكز من حدودها. بعض العائلات تلجأ إلى استئجار غرف صغيرة أو الإقامة لدى أقارب، هرباً من الاكتظاظ داخل المدارس، لكن ذلك يفتح باباً جديداً من الأعباء المادية في ظل أوضاع اقتصادية صعبة أساساً. في هذه المدارس، لم يعد اللوح مجرد مساحة للشرح، بل شاهداً صامتاً على مرحلة قاسية يمر بها المجتمع. الصفوف التي كانت تضج بالحياة، تحوّلت إلى أماكن تختزن القلق والانتظار، فيما يعيش النازحون امتحاناً يومياً في الصبر. بين جدران هذه الأبنية، لا تُكتب الدروس فقط، بل تُكتب أيضاً حكايات إنسانية ثقيلة، عنوانها فقدان الاستقرار، ومحاولات مستمرة للحفاظ على الكرامة، بانتظار نهاية لا تزال مجهولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى