
وداعاً “كولورادو”: نجمة صالات طرابلس تطفئ… “أنفاسها” الأخيرةبقلم: الياس خلاط
في منتصف خمسينيات القرن الماضي، حين كانت طرابلس تعيش ذروة عصرها الذهبي، اقتصاداً وثقافةً وانفتاحاً، ولدت “نجمة الصالات”. لم تكن سينما “الكولورادو” مجرد دارٍ للعرض، بل كانت تحفة معمارية صاغها ببراعة المهندس الراحل جورج دوماني، لتكون واجهة تليق بمدينة كانت منارة للشرق.
تاريخٌ صُنِعَ تحت قبتها بتصميمها الفريد الذي استوعب حوالي ٩٠٠ مقعد، توزعت بين “الأوركستر” و”البلكون” و”البينوار”، لم تكن الكولورادو مجرد جدران، بل كانت منصة للعالمية. يكفيها فخراً أنها احتضنت عرض فيلم “إلى أين؟” لابن طرابلس المخرج العالمي الراحل جورج نصر، ذلك الفيلم الذي نقل الواقع اللبناني إلى مهرجان “كان” السينمائي عام ١٩٥٧. هناك، تحت تلك الأضواء، التقت موهبة ابن المدينة بعظمة تصميم “الكولورادو”، ليرسما معاً مشهداً حضارياً قلّ نظيره.
الرحيل الصامت وتفكيك الذاكرة اليوم، ونحن في زمن العصر الرقمي، تبدأ “الكولورادو” رحلة رحيلها الصامت بعد أن أقفلت أبوابها مطلع الألفية الثالثة. الصور التي التقطتُها عام ٢٠١٥ (المرفقة) تقف اليوم كشاهد أخير على تلك الحقبة، قبل أن تطالها يد “التفكيك” اليوم لتحويلها إلى وظيفة أخرى بعد بيعها.
إنني إذ أقف أمام هذا المشهد، لا أعلن عدائي للقوانين التي تصون الملكية الخاصة، فهي حقٌ مشروع، لكنني أتساءل بمرارة: أين نحن من تراث تلك الحقبة؟ إننا لا نشهد مجرد تغيير في وظيفة مبنى، بل نشهد مدينةً كاملةً ترحل بتفاصيلها.
غياب رسمي وصمت مطبق، فالحكومات غابت تماماً عن هذا الملف منذ زمن بعيد، والأبنية التراثية (وحتى غير التراثية) تتهاوى أمام أعيننا منذ عقود ونحن نكتفي بدور المتفرج. يقولون إن “الأولويات في مكان آخر”، وقد تعبنا من تكرار هذه الأسطوانة المعهودة.
لا أيها السادة، بناء الأمم يبدأ بالثقافة والتراث وليس بشيء آخر. إن خسارة الكولورادو ليست مجرد خسارة لعقار، بل هي خسارة لمكان شهد على ريادة طرابلس الثقافية والفنية.
وداعاً “كولورادو”.. وحدها الصور والذكريات تبقى، وغصة في القلب على مدينة يسرق الإهمال ملامحها يوماً بعد يوم.
