
مادورو في قبضة الإمبريالية التي تبيع حبل مشنقتهابقلم: أحمد الشَّهّال
قرصنة العصر الحديث لم تعد تتم في البحار ولا تحتاج إلى أعلام سوداء أو سيوف، بل تُنفَّذ من الجو وتُدار من غرف عمليات محصّنة، وتُبرَّر بخطاب القانون الدولي والديمقراطية وحقوق الإنسان. ما جرى مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يقدّم نموذجًا صارخًا عن طبيعة الإمبريالية المعاصرة بوصفها قوة مأزومة تلجأ إلى العنف العاري حين تفشل أدواتها السياسية والاقتصادية في تحقيق الإخضاع. استهداف رئيس دولة ذات سيادة ليس تعبيرًا عن فائض قوة، بل علامة انكشاف ودليلًا على أن الإمبراطورية لم تعد قادرة على إدارة هيمنتها بالقواعد القديمة.
فنزويلا لم تُستهدف لأنها ديكتاتورية كما يزعم الخطاب الغربي، ولا لأن شعبها يعاني كما يدّعي دعاة التدخل الإنساني، بل لأنها ارتكبت الخطيئة الكبرى في منطق الرأسمالية الإمبريالية حين تعاملت مع النفط والثروات الطبيعية بوصفها ملكًا للشعب لا سلعة خاضعة لإرادة الشركات العابرة للقوميات. يُسمح للدول أن تكون مستقلة شكليًا، لكن يُحظر عليها امتلاك قرارها الاقتصادي، ومن يخرج عن هذا القيد يُدرج تلقائيًا في بنك الأهداف. وفي الوقائع، يندرج استهداف القيادة الفنزويلية ضمن مسار تصعيد أميركي شمل عقوبات خانقة، ملاحقات قضائية، تحركات عسكرية واستخبارية، ودعمًا معلنًا لمعارضات مرتبطة بالخارج، بما يؤكد أن ما يجري ليس طارئًا بل ممارسة منهجية لكسر القرار السيادي للدولة.
قبل المواجهة المفتوحة، خيضت حرب أكثر هدوءًا وأشد فتكًا: العقوبات والحصار المالي. تجويع منظّم، خنق للاقتصاد، تعطيل التحويلات، وضرب العملة، مع بيانات “قلق عميق” من تدهور الأوضاع الإنسانية. هذه ليست أخطاء، بل أدوات لإنتاج الانهيار الاجتماعي ودفع المجتمعات إلى اليأس، تمهيدًا للانقضاض السياسي أو العسكري. إنها قرصنة بلا سفن، يموت فيها الناس ببطء فيما يحتفظ الجناة بأقنعتهم الأخلاقية.
الانتقال من الحصار إلى التهديد المباشر يعكس نفاد صبر إمبريالي. القوى الواثقة من هيمنتها لا تحتاج إلى عمليات خاطفة، بل تبني أنظمة تابعة ونخبًا مطيعة. أما حين تفشل هذه الأدوات، يتحول القانون الدولي إلى غطاء هش، يُستدعى كشعار ويُدهس كعائق. فالمواثيق التي يُفترض أنها تحمي سيادة الدول صيغت لتوظيفها ضد الضعفاء والمعترضين. القانون هنا ليس مبدأ، بل وظيفة في يد القوة.
ما يحدث في فنزويلا لا ينفصل عن مسار يمتد من العراق إلى سوريا، ومن ليبيا إلى فلسطين. الحروب الإمبريالية لم تعد تؤسس لهيمنة مستقرة، بل تنتج فراغات سياسية وخرائط ممزقة وقوى مقاومة من تحت الركام. الفوضى التي قُدِّمت يومًا بوصفها “خلّاقة” خرجت عن السيطرة، وتحولت إلى عامل استنزاف دائم. لم تعد الإمبراطورية قادرة على حسم الصراعات، لكنها عاجزة عن التراجع، فتواصل العنف كمن يضرب الماء هربًا من الغرق.
في هذا السياق، يشكّل استهداف فنزويلا ضربة لجبهة المقاومة في أميركا اللاتينية، لكنه لا يعني نهايتها. بقاء الدولة، وتماسك الجيش، ووجود قوى شعبية منظمة، وضعف المعارضة المرتبطة بالخارج، كلها عوامل تحدّ من قدرة العدوان على تحويله إلى هيمنة مستقرة. كما أن الثروات الهائلة، من النفط إلى الليثيوم والمعادن النادرة، تفضح جوهر الصراع بعيدًا عن أي خطاب أخلاقي. الأميركيون لم يُخفوا يومًا أن ما يعنيهم ليس الديمقراطية، بل الثروات.
والحال أن الإمبريالية، في ذروة عنفها، لا تفعل سوى تعميق تناقضاتها الداخلية، فتؤكد صحة ما قاله ماركس حين رأى أن الرأسمالية تبيعك حبل المشنقة الذي تُشنق به. القوة التي تلجأ إلى القرصنة والعنف باسم القانون الدولي لا توسّع هيمنتها، بل تكشف حدودها. وكل عدوان جديد لا يراكم استقرارًا، بل يراكم عوامل التفكك، ويحوّل أدوات السيطرة إلى وسائل انكشاف.
الحل ليس في الرهان على شخصيات داخل النظام الإمبريالي أو أوهام الصفقات العابرة، بل في بناء القوة والاتحاد وتعميق مسار المقاومة. التجربة تقول إن التنازل لا يجلب إلا مزيدًا من الابتزاز، والبديل عن المواجهة هو خسارة الأرض والسيادة والثروات. الإمبريالية اليوم لا تبني نظامًا عالميًا جديدًا، بل تحفر قبر النظام القديم وقبرها بيديها، فيما تتقدم الشعوب نحو إدراك أن زمن الحكم بالقوة العارية، القوة الغاشمة يقترب من نهايته.
