
الديموقراطية الإنتخابية سبب الواقع السيء والأزمات ومسرحيات الخلافات
نشأت الديموقراطية التمثيلية أو الإنتخابية في أثينا قبل أكثر من ٢٤٠٠سنة، ولكن معظم الفلاسفة اليونانيين كانوا ضد الديموقراطية ورفضوا المشاركة فيها ترشحا”واقتراعا” رغم أنها كانت تقتصر على عدد محدود من سكان مدينة أثينا وعلى فئة مميزة منهم سميت “المواطنين الأحرار”، ولم تكن مفتوحة وموسعة لتشمل الجميع كما هو الحال في الديموقراطيات الحديثة، وخاصة في دول مايسمى “العالم الثالث أو النامي”، ومنها لبنان. وكانت حجج الفلاسفة اليونانيين ضد الديموقراطية التمثيلية أو الإنتخابية هي أنها: حكم العامة وجمعية كثيرة العدد، تلغي مميزات الفرد الشخصية، تؤدي إلى الفوضى والفساد والتبذير والوقاحة، ومنها إلى الإستبداد والطغيان.
لاتغيير للواقع السيء
الواقع السيء في لبنان هو نتيجة الديموقراطية الإنتخابية العددية الطائفية الحزبية، فمع هكذا نظام لاتغيير للواقع السيء ولاتحسين للوضع الإقتصادي والإجتماعي والإنمائي ولادولة مدنيةقوية ولاحرية حقيقية ولاعدالة ولاتنمية شاملة ومتوازنة. فالإنتخابات النيابية العددية الشعبية تعيد إنتاج الواقع السيء وتجدد للسياسيين والأحزاب الحاليين الذين يدأبون لإجرائها في موعدها لأنها تجدد لهم وتقويهم وتخدم مصالحهم، ولايؤجلونها إلا لأسباب اضطرارية أوطارئة داخلية وخارجية. أما التمديد لهم فهو يضعفهم ويؤدي إلى تغييرهم وتغيير النظام السياسي الذي يتمسكون به، وتغيير الواقع السيء. ومامسرحيات الخلافات والجدل في مجلس النواب وخارجه والمواقف الشعبوية… التي يطلقها بعض النواب والسياسيين إلا لأجل إعادة انتخابهم وزيادة شعبيتهم ولأجل إلهاء الناس عن الموضوعات والقضايا الأساسية والأولية التي لايعالجونها عبر موازنة ٢٠٢٦ أو عبر إجراءات جزئية لاتشمل جميع الفئات والقطاعات والمشكلات. فأين معالجة مشكلة التضخم المرتفع Inflation والغلاء الفاحش وزيادة الضرائب والرسوم وتقلص الدخل الفردي والتعطل عن العمل في الوقت الذي تذهب فيه الوظائف وفرص العمل والمداخيل المتوسطة والمرتفعة إلى التابعين والمحسوبين لمن يسمون “زعماء طوائف” والسياسيين والأحزاب الطائفية والإيديولوجية الشعبوية الإنتخابية، رغم عدم كفاءتهم وجدارتهم في القطاعين العام والخاص. فهذه الديموقراطية هي التي انتقدها الفلاسفة اليونانيون قبل أكثر من ٢٤٠٠سنة اي منذ نشأتها في مدينة أثينا، وهؤلاء الفلاسفة دعوا إلى وضع ضوابط شديدة على الديموقراطية Dimocracy اي حكم الشعب، ورأى أرسطو أن مبدأ سيادة الأكثرية ليس عادلا”فحسب بل هو أيضا” غير نافع. وحتى إن وقعت الديموقراطية في أيدي فلاسفة، سرعان مايتسلل إليها ديماغوجيونDemagogies (الذين يتملقون الشعب أو العامة لتهييجهم والغوغائيون والدهماء) وفاسدون ومستبدون ودوغمائيون (متعصبون).
إجراءات جزئية لاتعالج الأزمة
من نتائج الديموقراطية الإنتخابية العددية الطائفية الحزبية العشائرية المرتبطة بالخارج في هذا البلد : الأزمة المالية والنقدية والإقتصادية الحالية التي لاتعالج بصورة شاملة وعادلة وناجعة. فبدون معالجة التضخم المرتفع وتشجيع الإستثمارات وتنظيم سوق العمل والأسواق التجارية ووضع حد للتبعية والمحسوبية Favorism و”الواسطة” والطائفية في موضوع التوظيف والتعيين وعروض العمل لايمكن حل المشكلة أو الأزمة بصورة تشمل الفئات جميعها والقطاعات والمجالات كلها وبعدالة ولأمد طويل.وان زيادة الرواتب في القطاع العام هو إجراء غير كاف لمعالجة المشكلة أو الأزمة الناتجة من ارتفاع التضخم Inflation. فمعالجة النتيجة دون معالجة السبب لاتنهي المشكلة بل هي تندرج في سياق إدارة الأزمة وتخفيف ضغوطها على بعض الفئات، فيما يبقى التضخم النقدي على ارتفاعه، وكلما زيدت الرواتب في القطاع العام ارتفعت أسعار بعض المواد والسلع الأساسية والاستهلاكية مثل المحروقات وبعض المواد والسلع الغذائية وزيدت بعض الرسوم، واستمر احجام السوق عن تقديم فرص عمل ووظائف جديدة وكذلك تراجع الإستثمارات التي تسهم في معالجة مشكلة التعطل عن العمل وانخفاض الدخل الفردي وارتفاع الأسعار.
ماذا تنفع مسرحيات الخلافات والجدل حول موضوعات ليست أساسية ولاتنفع في حل المشكلات المالية والنقدية والإقتصادية والإجتماعية ولاتنفع الاالسياسيين والأحزاب والدول الخارجية الداعمة لهم؟ وهذه المسرحيات هي لأجل إلهاء الناس عن معالجة المشكلات المذكورة وتهيئة الأجواء لأجل انتخابهم وزيادة شعبيتهم، ولأجل خدمة مصالحهم، وهذا الأمر نتيجة النظام الديموقراطي الإنتخابي العددي الطائفي الحزبي واللعبة الدولية الإقليمية، وإن معظم وسائل الإعلام والتواصل تنقل هذا الواقع كماهو وتروجه كأنه تحصيل حاصل وفوق أي تفكير فلسفي ناقد وتغييري و متحرر ومستقل.
أسامة إسماعيل
