دولي

هذا هو الهـ.ـدف الرئيسي من توقيع الاتفاق الإطاري!

منير شحادة

لا تُقاس خطورة الاتفاقات السياسية بما تعلنه في بياناتها، بل بما تخفيه بين سطورها. فالبيان الأميركي الذي تحدث عن اتفاق إطار بين واشنطن وبيروت و”إسـ..ـرائيل” يبدو، في ظاهره، اتفاقًا لوقف النار وترتيبات أمنية، لكنه في جوهره يؤسس لمسار سياسي وأمني طويل يعيد رسم التوازنات الداخلية في لبنان قبل أن يعيد رسم الحدود مع “إسـ..ـرائيل”.

فرغم رفض المـ.ـقاومة للتفاوض المباشر مع الـ.ـعـ.ـدو “الإسـ..ـرائيلي”، أصرت السلطة اللبنانية في المضي بهذا المسار ووقعت بالأمس إتفاقًا، أخطر ما فيه أنه لا يبدأ بإلزام “إسـ..ـرائيل” بتنفيذ موجباتها القانونية، كالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحـ.ـتلة ووقف الاعتـ.ـداءات اليومية، بل يبدأ بإعادة ترتيب الداخل اللبناني. أي إن مركز الثقل ينتقل من معالجة الاحـ.ـتلال إلى معالجة البنية الأمنية والسياسية للبنان نفسه.

البند المتعلق بإنشاء المناطق التجريبية ليس تفصيلًا إداريًا. فهذا المفهوم يفتح الباب أمام تقسيم التطبيق إلى بقع جغرافية تنتقل تباعًا إلى نموذج أمني جديد، بما يجعل كل منطقة مختبرًا لقياس ردود الفعل السياسية والشعبية. ومع الوقت، يمكن أن تتحول هذه المناطق إلى أمر واقع دائم، فتُدار أجزاء من لبنان وفق ترتيبات مختلفة عن بقية المناطق، الأمر الذي يخلق تمايزًا أمنيًا وسياسيًا داخل الدولة نفسها.

أما الحديث عن حصرية السـ..ـلاح بصيغته المطروحة، فلا يأتي ضمن استراتيجية دفاع وطني يضعها اللبنانيون، بل ضمن جدول أعمال تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة وتعتبره “إسـ..ـرائيل” المدخل الأساسي لأي تقدم سياسي. وهذا يعني عمليًا أن الملف الداخلي اللبناني أصبح جزءًا من التفاوض مع “إسـ..ـرائيل”، لا شأنًا سياديًا يقرره اللبنانيون وحدهم.

ويتضمن الاتفاق أيضًا استمرار المفاوضات المباشرة للوصول إلى اتفاق شامل. وهذه العبارة تبدو الأكثر حساسية، لأنها لا تحدد سقفًا واضحًا للمفاوضات ولا موضوعاتها النهائية، ما يفتح الباب أمام انتقالها تدريجيًا من وقف النار إلى ملفات الحدود، ثم الأمن، ثم العلاقات السياسية، وربما لاحقًا إلى أشكال مختلفة من التطـ..ـبيع غير المعلن.

ومن أخطر الثغرات غياب أي التزام متوازن. فلبنان يُطلب منه اتخاذ خطوات تنفيذية واضحة، بينما لا يتضمن الاتفاق المنشور جدولًا زمنيًا ملزمًا لانسحاب “إسـ..ـرائيل”، ولا آلية تضمن وقف الخروقات الجوية والاغتيالات أو تمنع العودة إلى العــ..ـمليات العسـ.ـكر ية. وهكذا يصبح التنفيذ غير متكافئ، وتبقى “إسـ..ـرائيل” صاحبة اليد الطولى في تفسير الالتزامات.

كذلك، فإن جعل الولايات المتحدة الضامن الوحيد يثير إشكالية جوهرية. فالوسيط هنا ليس طرفًا محايدًا، بل هو الحليف الاستراتيجي الأول لـ”إسـ..ـرائيل”، وقد أثبتت التجارب السابقة أن قدرته أو رغبته في إلزام “إسـ..ـرائيل” محدودة عندما تتعارض مع أولوياتها الأمنية.

ويثير الاتفاق أيضًا سؤالًا حول مفهوم الأمن المتبادل. ففي الممارسة، تمتلك “إسـ..ـرائيل” القدرة على تعريف أي نشاط داخل لبنان بأنه تهديد لأمنها، بما يمنحها مبررًا دائمًا للمطالبة بإجراءات إضافية أو لمواصلة عــ..ـملياتها العسـ.ـكر ية تحت عنوان الدفاع عن النفس.

أما على المستوى الداخلي، فإن الخطر الأكبر يتمثل في تحويل ملف السـ..ـلاح إلى محور انقسام لبناني دائم، بحيث يصبح تنفيذ الاتفاق مرتبطًا بصدام سياسي واجتماعي بين اللبنانيين أنفسهم. وقد حذر مسؤولون “إسـ..ـرائيليون” في مناسبات مختلفة من أن المـ..ـواجهة الداخلية في لبنان قد تؤدي إلى إضعاف خصوم “إسـ..ـرائيل” أكثر من الحـ.ـرب التقليدية، ليصبح ذلك هـ.ـدفًا تسعى إليه “إسـ..ـرائيل”، وهو ما يجعل أي صيغة تزيد الاستقطاب الداخلي تستحق أعلى درجات الحذر.

إن أخطر ما في الاتفاق ليس ما يقوله، بل ما لا يقوله، فهو يحدد المطلوب من لبنان بدقة، بينما يترك التزامات “إسـ..ـرائيل” غامضة، ويحوّل الملفات السيادية اللبنانية إلى أوراق تفاوض مفتوحة، ويجعل مستقبل الأمن الداخلي مرتبطًا بمسار تفاوضي ترعاه واشنطن، وتملك “إسـ..ـرائيل” تأثيرًا كبيرًا في اتجاهاته.

ولذلك، فإن أي نقاش جدي حول هذا الاتفاق يجب ألا ينحصر في عنوان وقف إطلاق النار، بل في السؤال الأكبر: هل نحن أمام تسوية متوازنة تعيد للبنان حقوقه وسيادته، أم أمام مسار تدريجي يعيد تشكيل الدولة اللبنانية بما يتوافق مع المتطلبات الأمنية “الإسـ..ـرائيلية” أولًا؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان الاتفاق بداية استقرار حقيقي، أم بداية مرحلة جديدة من الضغوط السياسية والأمنية على لبنان.

كما لا يمكن إغفال تصريح نتنياهو فور توقيع الاتفاق الإطاري، الذي قال فيه إن إيران، التي كانت تريدنا أن نخرج من لبنان بالقوة، أصبحت خارج الساحة اللبنانية. فمن هنا نرى أن هذا هو الهـ.ـدف الرئيسي من توقيع هذا الاتفاق الإطاري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
https://ahdsocial.org

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى