
حين يصبح الإنسان آخر أولويات الدولة… وأول ضحايا العالم
من انهيار الدولة اللبنانية إلى استباحة القيمة الإنسانية
بقلم: د. جيلبير المجبر
رئيس جمعية حقوق الإنسان المودّة
ليست أزمة الأوطان في عدد المحن التي تواجهها، بل في الطريقة التي تتعامل بها مع الإنسان وسطها. فقد تمرّ الدولة بأزمات اقتصادية وسياسية قاسية، لكنّ خسارتها الأخطر تبدأ حين يصبح مواطنها آخر أولوياتها، وحين يُترك وحيدًا أمام أعباء كان يفترض أن تتحمّل الدولة مسؤولية الحدّ منها.
وهنا تبدأ الحكاية اللبنانية: مواطن يدفع للدولة، ثم يدفع بدلًا عنها؛ يُطالَب باحترام القانون، فيما ينتظر أن يحميه القانون؛ ويسدّد الضرائب والرسوم، ثم يضطر إلى شراء الخدمات التي يُفترض أن تكون من أبسط حقوقه.
المشكلة ليست في أن يدفع المواطن للدولة، بل في أن يدفع لها ثم يدفع بدلًا عنها، من دون أن يحصل على ما يبرّر ثقته بها.
فالكهرباء والتعليم والاستشفاء والأمان ليست امتيازات تُمنح للمحظوظين، بل مقوّمات أساسية لحياة كريمة. وخطاب القسم والوعود بالإصلاح لا تُقاس بجمال عباراتها، بل بما تحقّقه من تغيير في حياة الناس. فالدولة لا تثبت حضورها بكثرة ما تطلبه من مواطنيها، بل بقدرتها على حماية حقوقهم، وصون المال العام، وتطبيق القانون على الجميع.
لكنّ الخطر لا يتوقّف عند إنهاك المواطن داخل وطنه؛ بل يبدأ فصلٌ أشدّ خطورة حين يفقد هذا المواطن ثقته بإمكانية بناء مستقبله فيه.
وطنٌ يخسر أبناءه
نحن لا نخسر أبناءنا لأنّهم لا يحبّون لبنان، بل لأنّ كثيرين منهم يجدون خارج حدوده فرصًا واستقرارًا عجزوا عن إيجادهما داخله. يرحل الطبيب والمهندس والباحث والمعلّم والشاب الذي لم يحصل بعد على فرصته الأولى، ويرحل معهم جزء من قدرة الوطن على النهوض.
قد تساعد تحويلات المغتربين عائلاتهم على الصمود، لكنها لا تعوّض اقتصادًا منتجًا، ولا تستعيد الكفاءات التي خسرها البلد، ولا تبني وحدها دولة قادرة.
المغترب ليس جهاز صرّاف آليًا للوطن، بل طاقة بشرية وعلمية واقتصادية يمكن أن تكون شريكًا في نهوضه.
هناك فرق بين وطن يطلب من أبنائه إرسال الأموال كي يستمرّ، ووطن يهيّئ لهم الظروف كي يعودوا ويساهموا في بنائه. فهجرة الكفاءات ليست مجرّد قضية اجتماعية؛ إنّها خسارة استراتيجية، لأنّ كلّ عقل يرحل بسبب غياب الفرص يمثّل طاقة كان يمكن أن تساهم في الإنتاج والابتكار وخلق فرص العمل.
من هنا، تصبح استعادة الإنسان جزءًا من الأمن الوطني. فلا سيادة مستدامة من دون اقتصاد قادر، ولا اقتصاد قوي من دون كفاءات، ولا مستقبل مستقر إذا كان الشباب يرون في الرحيل خيارهم الأكثر عقلانية.
القوة الحقيقية تتجاوز السلاح
لا تُقاس قوة الدول بالسلاح وحده، ولا تثبت الخطابات العالية قدرتها على حماية السيادة. فالقوة تقوم أيضًا على مؤسسات فعّالة، واقتصاد منتج، وتعليم متقدّم، وقضاء مستقل، وإدارة تحترم الكفاءة، وقدرة على حماية المواطنين وصون حقوقهم.
إنّ النظر إلى تجارب دول استطاعت تطوير قدراتها في ظروف صعبة، ومنها إسرائيل، لا يفرض تمجيد تجربة سياسية أو تبنّي خياراتها، بل يدعونا إلى استخلاص الدروس من أهمية تنظيم الموارد والاستثمار في المعرفة وربط الكفاءة بالإنتاج.
المقارنة الجادّة ليست إعجابًا بالآخر ولا عداءً له، بل شجاعة في مراجعة الذات. ولبنان، بما يملكه من طاقات بشرية وعلمية منتشرة في العالم، لا تنقصه الكفاءات بقدر ما يحتاج إلى دولة تعرف كيف تجمعها وتحوّلها إلى مشروع وطني.
السيادة ليست شعارًا يُرفع فوق الركام؛ إنّها قدرة على حماية الإنسان، وصون القرار الوطني، وبناء دولة تمنح أبناءها أسباب البقاء والنجاح.
لكنّ الإنسان لا يواجه الإهمال داخل حدود وطنه فحسب؛ فقد يجد نفسه أيضًا أمام عالمٍ يختزل مآسيه في أرقام واحتمالات.
حين تصبح المأساة مادة للتداول
تتيح منصّات مثل «Polymarket» تداول توقّعات مرتبطة بأحداث سياسية وعالمية. وقد ينظر بعض المستخدمين إلى هذه الأسواق بوصفها وسيلة لتقدير الاحتمالات، لكنّ السؤال الأخلاقي يصبح أكثر إلحاحًا حين تتعلّق التوقّعات بالحروب واتّساع النزاعات والأحداث التي قد تكلّف البشر أرواحهم ومنازلهم ومستقبلهم.
ليس من الدقّة أن نتّهم كلّ من يتابع هذه الأسواق بأنّه يتمنّى الحرب، أو أن نساوي بين توقّع الحدث والمشاركة في صناعته. لكنّ ذلك لا يلغي ضرورة مساءلة الحدود الأخلاقية للتعامل التجاري مع مآسي البشر.
فالحرب ليست مباراة ينتظر الناس نتيجتها، والضحايا ليسوا أرقامًا على شاشة. خلف كلّ خبر عن قصف أو نزوح أو موت، هناك إنسان له اسم وبيت وأحلام؛ أمّ تنتظر، وطفل يخاف، وعائلة قد تفقد في لحظة ما بنته طوال عمرها.
حين تتحوّل معاناة البشر إلى مادة للتداول، لا تكون المشكلة في الأرقام وحدها، بل في احتمال أن نفقد القدرة على رؤية الإنسان خلفها.
ليست كلّ فرصة للربح مقبولة أخلاقيًا، وليس كلّ ما تسمح به التكنولوجيا جديرًا بأن يصبح نشاطًا بلا مساءلة. فالتقدّم الحقيقي لا يُقاس بما تتيحه الأدوات فحسب، بل أيضًا بالحدود التي يضعها المجتمع لحماية الكرامة الإنسانية.
وهنا تلتقي الملفات الثلاثة: مواطن يتحمّل كلفة غياب الدولة، وشباب يغادرون وطنهم بحثًا عن مستقبل، ومآسٍ إنسانية قد تتحوّل إلى موضوع للتداول. تختلف هذه الظواهر في طبيعتها ومسؤولياتها، لكنّها تضعنا أمام سؤال واحد: هل ما زال الإنسان هو الغاية، أم أصبح تفصيلًا في حسابات السلطة والمصلحة والربح؟
الإنسان هو المعيار
إنّ لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى دولة تحترم المال العام، وتؤمّن الخدمات الأساسية، وتحمي الحقوق، وتفتح أبواب العمل والاستثمار أمام شبابه. يحتاج إلى إصلاحٍ يجعل القانون ضمانة للجميع، ويحوّل طاقات المغتربين من وسيلة لتخفيف الأزمات إلى شراكة حقيقية في بناء المستقبل.
وبصفتي رئيس جمعية حقوق الإنسان المودّة، أؤمن بأنّ الدفاع عن كرامة الإنسان لا ينفصل عن مساءلة السلطة، ولا عن المطالبة باقتصاد عادل، ولا عن رفض تحويل البشر إلى أرقام في حسابات المصالح. فالحقوق ليست نصوصًا محفوظة في الوثائق؛ إنّها واقع يجب أن يعيشه الإنسان في منزله ومدرسته وعمله ومستشفاه، وفي حقّه في الأمان والمستقبل.
لا يمكننا أن نطالب أبناءنا بالتمسّك بوطن لا يمنحهم أسباب البقاء، ولا أن نتحدّث عن السيادة فيما تتآكل مقوّماتها، ولا أن ندافع عن الإنسانية بالكلمات ثم نصمت حين تصبح حياة الناس عرضة للإهمال أو الاستغلال.
إنّ الدولة التي لا تحمي كرامة إنسانها تخسر مستقبله، والوطن الذي يخسر أبناءه يخسر جزءًا من قوّته، والعالم الذي يختزل مآسي البشر في حسابات الربح والخسارة يعرّض ضميره للخطر.
فالإنسان ليس بندًا أخيرًا في موازنة الدولة، ولا رقمًا في حسابات الهجرة، ولا احتمالًا في سوق المراهنات. الإنسان هو الغاية التي من أجلها وُجدت الدولة، والمعيار الذي تُقاس به قوة الأوطان، والحدّ الأخلاقي الذي يجب ألّا تتجاوزه مصالح العالم.
وحين ننسى هذه الحقيقة، لا نخسر المال والفرص والنفوذ فحسب؛ بل نخاطر بخسارة أغلى ما نملك: إنسانيتنا.
د. جيلبير المجبر
رئيس جمعية حقوق الإنسان المودّة
