
خلدون الشريف يعلق على أزمة النفايات في طرابلس
خلال الأيام الماضية، تجنّبت الحديث عن أزمة النفايات التي تراكمت في شوارع طرابلس والميناء، لأن الأولوية كانت لرفعها وإبعادها عن الناس، لا لإضافة الكلام إلى الأزمة.
أما وقد دارت آليات رفعها، فمن الواجب قول الحق أمام الناس، ووضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم، وفي مقدمهم الحكومة والدولة اللبنانية، من دون أن يعني ذلك إغفال مسؤولية البلديات واتحاد بلديات الفيحاء، وخصوصاً في رفع الصوت عالياً، وهو صوت كان يجب أن يرتفع منذ وقت طويل.
فلا مجاملات عندما تكون صحة الناس وبيئتهم وكرامة طرابلس والميناء على المحك. ولا خضوع ولا خنوع ولا تردد في المطالبة بحق المدينتين وأهلهما في حل حقيقي ودائم.
ولأن النقاش يجب أن يقوم على الوقائع لا على الانطباعات، أنقل هنا ما كتبه المهندس طارق سمرجي، شارحاً بالأرقام ماذا حصل في مطمر طرابلس، ولماذا لم يعد ممكناً الاستمرار فيه، وما هي الخطة المطروحة للخروج من الأزمة:
مطمر طرابلس: ما الذي حصل، وما هي الخطة؟
المطمر البحري لم يكن يومًا حلًا دائمًا. أُنشئ كإجراء طارئ ومؤقت لإقفال جبل النفايات القديم الذي كان مهددًا بالانهيار. افتُتح في شباط 2019، وصُمّم لاستيعاب 450 ألف طن على مدى ثلاث سنوات، بارتفاع أقصى يبلغ 14 مترًا.
اليوم، بعد أكثر من سبع سنوات، يحتوي المطمر على نحو 900 ألف طن، وبلغ ارتفاعه 21 مترًا. أي ضعف السعة، ومرة ونصف الارتفاع المصمَّم، وأكثر من ضعف العمر المخطط له. لقد بلغ حدّه الهندسي، ولا يمكن رفعه أكثر بأمان.
لماذا لا نضيف المزيد إلى المطمر الحالي؟
لأن كل طن إضافي يزيد المخاطر:
- انزلاق النفايات: كلما ارتفعت الكومة زاد انحدار جوانبها وضعف ثباتها. والمطمر مبني على البحر، فأي انزلاق قد ينتهي في المياه.
- تسرّب العصارة: الوزن الزائد يضغط على طبقة العزل وأنابيب تجميع العصارة في القاعدة، وقد يؤدي تضرّرها إلى تسرّب الملوّثات إلى البحر.
- الغازات والحرائق: تراكم النفايات يزيد إنتاج غاز الميثان، ومعه خطر الحرائق والروائح.
- صعوبة الإقفال: المطمر الذي يتجاوز حدوده لا يمكن تغطيته وإقفاله بشكل سليم، فيبقى مصدر خطر لسنوات.
هذا بالضبط ما كان يهدد جبل النفايات القديم، ولا نريد أن نكرّره.
الحل الطويل الأمد كان موجودًا. ففي عام 2018 وُضعت خارطة طريق لمركز متكامل لفرز النفايات ومعالجتها، لكن أزمة 2019 وجائحة كورونا والانهيار الاقتصادي حالت دون تنفيذها.
ماذا حصل الآن؟ تكدّست النفايات في الشوارع ليوم واحد، ثم قرّر رئيس الاتحاد تخزينها مؤقتًا في معمل الفرز والمعالجة لإبعادها عن الأحياء، ريثما تُستكمل ترتيبات النقل مع الجهات المعنية.
الخطة من ثلاث مراحل:
- نقل النفايات إلى موقع تخلّص هندسي خارج المدينة عبر محطة ترحيل.
- تأهيل معمل الفرز والمعالجة لاسترداد المواد القابلة للتدوير وتقليص الكميات.
- إنشاء مطمر صحي نظامي للمتبقيات فقط، أي 20% أو أقل.
وأنتم جزء من الحل. ففي عام 2018 جرى تحويل أكثر من 450 طنًا من المواد القابلة للتدوير عبر الفرز من المصدر. وهذا ممكن لأنه تحقّق فعلًا. كل كيس يُفرز في المنزل هو نفايات لا تُنقل ولا تُطمر ولا تكلّف مدينتنا.
و ما اريد إضافته هو أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الانتظار.
على الدولة أن تتحرك فوراً لتأمين موقع هندسي مؤقت وآمن للتخلص من النفايات. وإذا كان الحل يقتضي استصلاح موقع مناسب بالردم البحري، وفق الشروط البيئية والهندسية، فعليها اتخاذ القرار وتأمينه سريعاً.
وبالتوازي، يجب تحديد موقع مطمر صحي جديد والبدء بتنفيذه خلال أيام، لا أسابيع ولا أشهر.
لم يعد مقبولاً أن تبقى طرابلس والميناء رهينتي الحلول المؤقتة، وأن ننتظر تراكم النفايات في الشوارع حتى تتحرك الدولة.
هذه ليست مشكلة بلدية فحسب، ولا مشكلة اتحاد بلديات وحده. إنها مسؤولية دولة تجاه مئات آلاف المواطنين، ومسؤولية حكومة يجب أن تتعامل مع النفايات باعتبارها مسألة صحة عامة وأمن بيئي.
وفي المقابل، على بلدياتنا واتحاد بلديات الفيحاء أن يكونوا في مقدمة المطالبين بذلك، وأن يرفعوا الصوت عالياً قبل وقوع الأزمة، لا بعدها.
ولا نريد مطمراً جديداً يتحول بعد سنوات إلى جبل نفايات جديد. نريد منظومة متكاملة: فرز من المصدر، معالجة وتدوير، ثم طمر صحي لما يتبقى.
ونريد قبل كل ذلك قراراً من الدولة، الآن.
فحق طرابلس والميناء وأهلهما في بيئة نظيفة وفي شوارع لا تغرق بالنفايات ليس منّة من أحد.
وعندما تكون صحة الناس وكرامة المدينتين على المحك، فلا مكان للمجاملة، ولا للخضوع ولا للخنوع ولا للتردد. See less
