
من الجنوب الصامد إلى قلب بيروت، ومن صيدا وصور إلى أقاصي الشمال، توحدت الساحات بالدم. \ مهند فيصل درنيقه
لم يعد هناك مناطق أو طوائف أو جنسيات
اليوم، البذلة العسكرية للجيش اللبناني تتعمد بدماء الكل، لتعلن حقيقة واحدة: نحن لسنا أرقاماً، نحن أصحاب حق، والقوة ليست في فوهة الصاروخ بل في عقيدة الأرض.
لمن نسي أو تناسى، نذكركم ببيروت 1982 حين رُوّج لعملية عملية سلامة الجليل على أنها محدودة لا تتجاوز أربعين كيلومتراً، لكن الواقع كشف سريعاً زيف هذا الادعاء، إذ تمدد الاحتلال متجاوزاً كل الحدود حتى وصل إلى بيروت. وظن البعض أن العاصمة سقطت وسقط معها لبنان.
لكن بيروت لم تركع، بل تحولت شوارعها إلى جحيم تحت أقدام غازيها.
هل نسيت “مقهى الويمبي” ورصاصات “خالد علوان”؟
هل نسيت صراخ جنودهم عبر مكبرات الصوت: “يا أهل بيروت.. لا تطلقوا النار، نحن منسحبون”؟
لقد خرجوا صاغرين لأن إرادة الحق أقوى من أعتى ترسانة. نحن لسنا ضعفاء، ومن طردهم بصدور عارية بالأمس، قادر على كسر غطرستهم اليوم.
لا تنسوا ملاحم البطولة التي حطمت أساطيرهم تذكروا الفدائي الشهيد البطل “بلال فحص” وعمليته التي هزت عروشهم، وتذكروا تفجير المارينز في بيروت، وتدمير مقر الحاكم العسكري في صور تلك الضربات التي أفهمت الغزاة وأعوانهم أن هذه الأرض لا تقبل القسمة إلا على أصحابها، وأن دماء شهدائنا هي التي رسمت حدود الكرامة بالبارود والنار.
وإلى كل من تسوّل له نفسه بيع ضميره ليكون عيناً للمحتل: تذكّر جيداً مشهد الذل عند الشريط الحدودي يوم فرّ المشغّلون وتركوا أذنابهم يواجهون قدرهم الأسود وحيدين. لا تكن رخيصاً؛ فأنت من طينة أرضٍ لا تقبل الخيانة، ومن نسل شعبٍ لا يرحم بائع كرامته. فالعدو يراك أداةً والوطن يراك عاراً، والتاريخ لا يمحو وصمة الخيانة.
هذا ليس وقت الحساب ولا زمن الندب. حين تنادي الأرض، يسكت كل صوت إلا صوت المواجهة.
القذيفة لا تسأل عن هويتك الحزبية، والعدو يستهدف كرامتك. قف شامخاً، احمِ جارك، وكن سنداً لدارك فالمناصب زائلة والسياسة متغيرة، أما الأرض فهي عرضك الذي لا يقبل القسمة.
لا تترك للتاريخ ثغرة يقول فيها إنك خذلت وطنك في ساعة الضيق.
أما أهلنا في الجنوب، فقد شاء القدر أن تكونوا أنتم بوابة الدفاع الأولى لأنكم على خط النار الجغرافي. لكن تذكروا جيداً، لو كان العدو في الشمال، لكان أهل عكار وطرابلس هم الصدارة، ولكانوا هم درعكم وسندكم.
نحن لم نحتل يوماً أرض غيرنا، بل نحن حراس الحق وحماة المقدسات؛ من مسرى الرسول الكريم إلى مهد المسيح وقيامته.
نحن لا نملك خرائط مسمومة نعرضها على شاشات التلفزة لنعلن فيها خطط الدمار والاحتلال، ولا نزرع الفتن بين الدول لنعيش في أمان زائف. نحن أصحاب الأرض، نحن الذين اخترنا أن نكون سبب بقائها وعنوان كرامتها.
وإلى هذا العدو نقول: كما وعدتنا باجتياح بري، نوعدك بشغف اللقاء.
الأرض تعرف أصحابها، واللقاء فوق ترابنا هو الموعد الذي ستدرك فيه أن الحق لا يموت، وأننا شعبٌ يعشق الأرض كما يعشق الحياة.
مهند فيصل درنيقه
