
هل تآكلت القدرات الاستخباراتية الروسية أمام أوكرانيا؟
د. زياد منصور \ المصدر موقع السؤال
كثيرًا ما يُطرح عليّ، من قبل أصدقاء مهتمين بما يجري في روسيا وتطورات الحرب الأوكرانية، سؤال يتكرر بصيغ مختلفة، مفاده: لماذا تبدو روسيا غير قادرة على مواجهة بعض العمليات التخريبية الأوكرانية داخل عمقها؟ وما العوامل التي تفسّر حدوث مثل هذه الاختراقات رغم امتلاكها جهازًا أمنيًا واستخباراتيًا يُعد من بين الأكثر خبرة وتنظيمًا على المستوى الدولي؟
هذا السؤال، في ظاهره، ينطوي على افتراض بوجود قصور مباشر، غير أن مقاربته على نحو تحليلي تقتضي تجاوز الأحكام الانطباعية، والنظر إليه ضمن إطار أوسع يتداخل فيه العامل المؤسسي مع طبيعة الحرب نفسها. فالحروب المعاصرة، ولا سيما تلك التي تتسم بطابع غير متماثل، تنقل الصراع من خطوط الجبهة إلى عمق الدول، حيث تصبح مسألة السيطرة الكاملة على المجال الأمني أمرًا معقّدًا حتى بالنسبة للدول ذات الأجهزة المتقدمة.
ومن هذا المنطلق، أميل إلى اعتبار أن ما يُفسَّر أحيانًا بوصفه “عجزًا” قد يكون، في جانب منه، انعكاسًا لتحديات بنيوية وعملياتية تفرضها طبيعة هذا النوع من الصراعات، أكثر مما هو تعبير عن ضعف مطلق في القدرات. وعليه، فإن تحليل هذه المسألة يستدعي قراءة متعددة المستويات، تأخذ في الاعتبار السياق العملياتي، والبنية المؤسسية، والتحولات في أنماط الصراع المعاصر، من دون التسرع في إطلاق أحكام حاسمة.
فمنذ العام 2022، ظهرت ثغرات متكرّرة في الأمن الوقائي ومكافحة التخريب داخل العمق الروسي. بهذا المعنى ليس من السهل وصف جهاز استخباراتي بحجم وتعقيد الاستخبارات الروسية بالعجز بمعناه المباشر، غير أن تطورات الحرب في أوكرانيا كشفت مفارقة لافتة تستحق التوقف عندها: جهاز يتمتع بتاريخ طويل في العمل السري والاختراق الخارجي، ويُعدّ من أكثر الأجهزة خبرة على المستوى العالمي، بدا في بعض محطات الصراع عاجزًا عن منع اختراقات أمنية داخل عمقه، سواء عبر عمليات تخريبية أو اغتيالات استهدفت شخصيات ومنشآت حساسة.
هذه المفارقة لا تُحيل بالضرورة إلى ضعف بنيوي مباشر، بل قد تُفسَّر في ضوء طبيعة توزيع الأدوار والوظائف داخل المنظومة الاستخباراتية، حيث يبدو أن مهام الحماية الأمنية والاستقرار الداخلي، إلى جانب العمل الخارجي، تحظى بأولوية نسبية. وفي هذا السياق، قد يُلاحظ أن مستويات الأداء تتباين تبعًا لنوع المهمة، إذ قد تكون بعض الأجهزة أكثر فاعلية في مجالات معيّنة، في حين تواجه تحديات نسبية في استشراف بعض التهديدات غير التقليدية أو الحد منها، لا سيما عندما تتسم هذه التهديدات بدرجة عالية من المرونة وتعتمد على أساليب غير متماثلة.
لماذا تبدو روسيا مكشوفة أمام بعض العمليات الأوكرانية؟
السبب البنيوي الأهم، كما يمكن قراءته في مقاربات موضوعية، لا يرتبط حصراً بطبيعة النظام السياسي أو أولويات أجهزته، بل قد يُفهم ضمن شبكة أكثر تعقيدًا من العوامل المتداخلة، من بينها التداخل البنيوي بين الفضاءين الروسي والأوكراني، والإرث التاريخي الممتد منذ مرحلة الاتحاد السوفييتي، حيث بقيت روابط بشرية ومؤسسية وشبكات اتصال غير رسمية قائمة بدرجات متفاوتة. كما لا يمكن إغفال احتمال تأثير عوامل خارجية، في ضوء ما تشير إليه بعض التحليلات من أدوار غير مباشرة لأطراف دولية، سواء عبر دعم تقني أو استخباراتي أو عبر تهيئة بيئات تشغيلية تسهّل مثل هذه العمليات. وفي هذا السياق، قد تبدو بعض الاختراقات أقل ارتباطًا بخلل داخلي بحت، وأكثر اتصالًا بطبيعة بيئة صراعية مركّبة تتداخل فيها الأبعاد التاريخية والبنيوية والدولية.
السبب الثاني يرتبط بطبيعة المقاربة الأمنية خلال الحرب، حيث يُلاحظ أن الأداء يميل، في بعض الحالات، إلى الطابع التفاعلي أكثر من الوقائي. فقد كشفت بعض الهجمات داخل روسيا عن ثغرات أمنية متفاوتة، وبدت الاستجابة أحيانًا أقرب إلى ردّ الفعل منها إلى المنع الاستباقي. غير أن تفسير هذه الظاهرة لا ينبغي أن يُحصر في الإخفاق المؤسسي بحد ذاته، بل يمكن قراءته أيضًا في ضوء تبنّي مقاربة أمنية ذات طابع وقائي–سياسي، تركّز على احتواء المخاطر ضمن حدود معينة، بدل الانخراط في استراتيجيات هجومية استباقية واسعة النطاق. وفي هذا السياق، قد تعكس هذه المقاربة اعتبارات تتعلق بإدارة التصعيد وضبط الإيقاع العام للصراع، بقدر ما تعبّر عن تحديات ميدانية وأمنية.
ومع ذلك، يطرح هذا الواقع تساؤلًا إضافيًا، بالنظر إلى أن الأجهزة الأمنية الروسية راكمت خبرة طويلة في مواجهة تهديدات داخلية، لا سيما خلال الهجمات المرتبطة بالتمرد الشيشاني، مثل عملية مسرح موسكو في 2002، وأحداث بوديونوف في التسعينيات، وحادثة المدرسة في بيسلان، إضافة إلى تفجيرات مترو الأنفاق في موسكو. فقد أظهرت تلك التجارب قدرة على تطوير أدوات أمنية واستخباراتية للتعامل مع تهديدات معقّدة داخل المجال الروسي.
غير أن قابلية نقل هذه الخبرات إلى السياق الراهن ليست بالضرورة مباشرة، إذ تختلف طبيعة التهديدات من حيث البنية والوسائل والامتداد الجغرافي. فالعمليات المرتبطة بالنزاع الحالي تتسم بدرجة أعلى من التشتت والمرونة، وغالبًا ما تستند إلى شبكات غير مركزية، وإلى إمكانات تكنولوجية متاحة على نطاق واسع. كما يُشار إلى أن بعض هذه العمليات قد تستفيد من امتدادات بشرية واجتماعية في فضاءات ما بعد الاتحاد السوفييتي، بما في ذلك إمكانات التجنيد أو الاستقطاب، وهو ما يضيف بعدًا عابرًا للحدود يصعب التعامل معه بالآليات التقليدية وحدها.
وفي هذا الإطار، قد لا يكون السؤال متعلقًا بغياب الخبرة بقدر ما يرتبط بمدى ملاءمة الأدوات السابقة لطبيعة التهديدات الجديدة، وبكيفية تكييف التجارب المتراكمة مع بيئة أمنية متحوّلة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية والدولية.
السبب الثالث يرتبط بطبيعة الحرب غير المتكافئة، حيث يمتلك الطرف المهاجم في كثير من الأحيان هامش تفوّق تكتيكي. وتُظهر بعض العمليات الحديثة هذا الأمر بوضوح، إذ اعتمدت على وسائل منخفضة الكلفة وسهلة الإخفاء، مثل استخدام مسيّرات صغيرة أُخفيت ضمن وسائل نقل مدنية ونُقلت إلى مناطق قريبة من أهداف حساسة قبل تشغيلها عن بُعد (عملية شبكة العنكبوت في الأول من يونيو- حزيران عندما هرَّبت أوكرانيا 117 مسيرة، وأخفتها داخل أسقف أكواخ خشبية نُقلت بشاحنات إلى قرب القواعد الجوية، ثم أُطلقت عن بُعد) . هذا النمط من العمليات يفرض ضغطًا كبيرًا على أي جهاز أمني، لأن أدوات التنفيذ تبدو عادية وغير لافتة، فيما تكون كلفة التنظيم منخفضة مقارنة بحجم الأثر.
كما أن اتساع المجال الجغرافي، وكثرة النقاط الحيوية، وتداخل الاستخدامات المدنية والعسكرية، تجعل من الصعب تحقيق حماية كاملة لكل المواقع في آن واحد. وفي هذا السياق، لا يعود التحدي مقتصرًا على كشف الهجوم بحد ذاته، بل يمتد إلى صعوبة التمييز المسبق بين النشاط المدني الطبيعي والنشاط الذي قد يتحول إلى تهديد، وهو ما يمنح العمليات غير المتكافئة قدرة على تجاوز أنماط الحماية التقليدية.
ويُضاف إلى ذلك احتمال استفادة بعض العمليات من شبكات بشرية عابرة للحدود، في ظل وجود امتدادات اجتماعية واقتصادية لشرائح من السكان خارج البلاد (مهاجرين روس ودياسبورا معادية للنظام القائم)، ما قد يخلق قنوات اتصال أو تأثير غير مباشرة. ومع أن هذا العامل لا يمكن تعميمه أو اعتباره قاعدة، إلا أنه قد يساهم، في بعض الحالات المحدودة، في تعقيد البيئة الأمنية وإتاحة فرص للاختراق أو الاستغلال.
السبب الرابع هو توزّع الأعباء واحتكاك الحرب الطويلة. فالحرب تستهلك الموارد البشرية والفنية، وتفرض على الدولة تأمين الجبهة والحدود والمنشآت والاتصالات والنخب العسكرية في وقت واحد. لهذا يمكن لأي جهاز قويّ في العمليات الخارجية أن يتعثر في “أمن العمق” حين يواجه خصمًا مبتكرًا يدمج الاستخبارات البشرية، التخريب اللوجستي، المسيّرات الرخيصة، والعمل السري طويل التحضير.
هل يعني ذلك أن الاستخبارات الروسية تعاني من تراجع عام في فعاليتها؟
ليس بالضرورة. فطرح المسألة بهذه الطريقة قد يكون تبسيطيًا، ولا يعكس التعقيد الفعلي لطبيعة عمل الأجهزة الاستخباراتية في سياق الحرب. فالسؤال الأكثر دقة ربما يكون: لماذا لا يظهر نشاط مكثف للاستخبارات الروسية داخل العمق الأوكراني، رغم ما يُفترض من وجود امتدادات وشبكات تراكمت تاريخيًا؟
يمكن النظر إلى هذا الأمر من زاوية مختلفة، إذ قد لا يكون مرتبطًا بغياب القدرة، بل بطبيعة الخيارات المعتمدة. فبعض المؤشرات توحي بأن النشاط الاستخباراتي يتخذ طابعًا أكثر حذرًا وانتقائية، بدل الانخراط في عمليات تخريبية واسعة أو في تحريك شبكات محلية بشكل علني. وفي هذا السياق، قد يكون ذلك انعكاسًا لاعتماد مقاربة تميل إلى الطابع الدفاعي أو الضابط للإيقاع، بدل المقاربة الهجومية المفتوحة.
كما أن تفعيل الشبكات داخل بيئة معادية ومراقَبة بشكل مكثف قد يحمل مخاطر عالية، سواء على مستوى كشف هذه الشبكات أو فقدانها على المدى الطويل، وهو ما قد يدفع إلى استخدام أكثر تحفظًا لها. وعليه، يمكن افتراض أن محدودية النشاط الظاهر لا تعني بالضرورة غياب الفعل، بل قد تعكس قرارًا سياسيًا أو تقديرًا عملياتيًا يفضّل ضبط مستوى الانخراط، رغم توفر القدرات الكامنة لدى الجهاز.
الاغتيالات والعمليات الاستخباراتية في السياق الروسي–الأوكراني:
سجل تاريخي لأبرز العمليات داخل روسيا وحولها منذ 2022
تُظهر متابعة تطور الصراع الروسي–الأوكراني أن العمليات الاستخباراتية، بما فيها الاغتيالات والتخريب، شكّلت جزءًا أساسيًا من دينامية المواجهة منذ ما قبل عام 2022، وتحديدًا منذ اندلاع النزاع في شرق أوكرانيا. ففي هذا السياق، برزت سلسلة من العمليات التي تعكس طبيعة العمل الاستخباراتي خصوصا ذاك الذي نفذته أوكرانيا بدعم استخباراتي غربي.
- تفجير جسر القرم – 8 أكتوبر 2022
هذه واحدة من أهم الضربات الرمزية واللوجستية. في 26 تموز 2023 أعلن فاسيل ماليُوك، رئيس جهاز الأمن الأوكراني SBU، أن جهازه كان وراء عملية التخريب التي ألحقت أضرارًا كبيرة بجسر كيرتش/القرم في تشرين الأول 2022. أهمية العملية ليست فقط في الخسارة المادية، بل في ضرب رمز الضمّ الروسي وخطّ إمداد رئيسي إلى القرم والجبهة الجنوبية.
*اغتيال داريا دوغينا – أغسطس- آب 2022
قتلت داريا دوغينا قُتلت في أغسطس- آب 2022 بانفجار عبوة مزروعة عن بُعد في سيارتها قرب موسكو، ورغم أنّ أوكرانيا نفت المسؤولية رسميًا، أكدت قرائن دامغة أنّ العملية مرتبطة بكييف. تاريخيًا، كان لهذه الحادثة أثر نفسي كبير لأنها دشّنت نمطًا جديدًا: استهداف شخصيات رمزية من البيئة القومية داخل العمق الروسي. على الرغم من الهدف كان اغتيال الفيلسوف والمفكر الروسي ألكسندر دوغين الذي تعتبره أوساط غربية العقل المفكر ومنظر العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا.
*تفجير مقهى سانت بطرسبورغ ومقتل فلادلين تاتارسكي – أبريل- نيسان 2023
تاتارسكي، وهو مدوّن عسكري مؤيد للحرب، قُتل عندما انفجرت قنبلة في مقهى بوسط سانت بطرسبورغ أثناء فعالية كان يتحدث فيها. هذه العملية هدفت إلى إبراز هشاشة “الأمن القريب” للشخصيات الداعمة للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وأظهرت أن بيئة الفعاليات العامة داخل روسيا يمكن اختراقها أيضًا.
*محاولة اغتيال زاخار بريليبين – ماي- أيار 2023
نجا الكاتب القومي زاخار بريليبين بصعوبة من تفجير سيارة في منطقة نيجني نوفغورود، بينما قُتل سائقه. دلالة هذه العملية أنها وسّعت دائرة الأهداف من المسؤولين العسكريين إلى الوجوه الدعائية/الأيديولوجية المؤيدة للرئيس بوتين.
*تخريب السكك الحديدية في سيبيريا/بورياتيا – أكتوبر إلى ديسمبر 2023
عمد جهاز الاستخبارات الأوكراني إلى تفجير عبوات على خط سكة حديد روسي عميق في سيبيريا، ثم استهدف المسار البديل بعد تحويل حركة القطارات إليه. هدف هذه العملية إلى ضرب لوجستيات بعيدة عن الجبهة مع توقيت يراهن على توقع رد فعل الخصم واستهداف البديل أيضًا.
- اغتيال اللفتنانت جنرال إيغور كيريلوف – 17 ديسمبر- كانون الأول 2024
اغتالت أوكرانيا الجنرال إيغور كيريلوف، قائد قوات الحماية النووية والبيولوجية والكيميائية الروسية، بواسطة قنبلة أُخفيت في سكوتر كهربائي خارج مبنى سكني في موسكو. هذه العملية كانت من أعلى الاغتيالات مستوىً منذ بدء الحرب، لأنها أصابت جنرالًا عاملًا رفيعًا في العاصمة، وهي من ضمن سلسلة الاغتيالات البارزة التي ربطتها موسكو بأوكرانيا.
*مقتل ياروسلاف موسكاليك قرب موسكو – 25 أبريل- نيسان 2025
اتهمت موسكو أوكرانيا بتفجير سيارة قرب موسكو ما أدّى إلى مقتل ياروسلاف موسكاليك، نائب رئيس المديرية الرئيسية للعمليات في هيئة الأركان العامة الروسية. كييف لم تعلّق رسميًا مباشرةً على هذه الحالة، لكن زيلينسكي أشاد بعد أيام بـ“تصفية” شخصيات من قمة القيادة العسكرية الروسية، من دون تسمية عملية بعينها. من حيث الدلالة، تمثل الحادثة استمرارًا لانتقال الاستهداف نحو العقول التشغيلية داخل القيادة العسكرية.
- عملية «كروكوس سيتي هول» – آذار 2024
تُعدّ عملية «كروكوس سيتي هول» مارس- آذار 2024 من أبرز الحوادث الأمنية داخل روسيا في السنوات الأخيرة، إذ تمثلت في هجوم مسلح استهدف قاعة حفلات مدنية مكتظة، ونُفّذ عبر اقتحام مباشر وإطلاق نار كثيف أعقبه حريق واسع داخل المبنى، ما أسفر عن سقوط أكثر من 140 قتيلًا ومئات الجرحى. وقد تبنّى الهجوم تنظيم داعش خراسان، في حين أشارت روايات رسمية روسية إلى وجود ارتباطات أو دعم خارجي أوكراني محتمل، استنادًا إلى إفادات بعض الموقوفين. وتكشف هذه الحادثة، بطبيعتها وأسلوب تنفيذها، عن تحديات أمنية معقّدة تتعلق بصعوبة حماية الأهداف المدنية المفتوحة، وإمكانية تحقيق أثر كبير باستخدام وسائل بسيطة نسبيًا، وهو ما يعيد إلى الواجهة نمط التهديدات التي تجمع بين الطابع الإرهابي التقليدي والقدرة على إحداث صدمة واسعة داخل العمق المجتمعي.
عملية “شبكة العنكبوت” ضد القواعد الجوية الروسية – 1 يونيو 2025
هذه، على الأرجح، أكثر عملية أوكرانية جريئة وتعقيدًا داخل العمق الروسي حتى الآن. لقد هاجمت أوكرانيا قواعد جوية روسية باستخدام مسيّرات أُخفيت داخل أكواخ خشبية نُقلت بشاحنات، وأن العملية استهدفت قاذفات استراتيجية قادرة على حمل صواريخ بعيدة المدى. من الناحية التاريخية، العملية تجمع عناصر عديدة: اختراق لوجستي، تمويه مدني، تخطيط طويل، انتشار جغرافي واسع، واستخدام مسيّرات رخيصة ضد أهداف استراتيجية باهظة الثمن. ولهذا شُبّهت في بعض التعليقات الصحفية بعمليات “البايجر/البيجر” من حيث فكرة التمويه والاختراق العميق، لا من حيث الأداة نفسها. لا يوجد، بحسب ما وجدت من المصادر الموثوقة هنا، “هجوم البايجر” حرفي موثق على الجيش الروسي، بل المقصود غالبًا هو هذا التشبيه بعملية 2025.
وشهدت نهاية العام الفائت وبداية العام الجاري، وقوع حوادث أمنية جديدة داخل روسيا ذات طابع عنيف أو تخريبي، من بينها سلسلة الاغتيالات التي استهدفت شخصيات عامة وإعلامية، وعمليات تخريب استهدفت البنية التحتية، لا سيما خطوط السكك الحديدية، وتزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة على مدن ومواقع داخل العمق الروسي، بما في ذلك العاصمة موسكو ومحيطها. وتُظهر هذه الحوادث، بتنوعها وتكرارها، أن البيئة الأمنية باتت تواجه أنماطًا متجددة من التهديد، تجمع بين الطابع التقليدي والوسائل الحديثة، ما يفرض تحديات إضافية على آليات الاستجابة والتكيّف.
اغتيالات في أوكرانيا
تُظهر دراسة الاغتيالات السياسية في الفضاء ما بعد السوفييتي أن هذا النمط من العمليات ظل أداة حاضرة ضمن تفاعلات الصراع الاستخباراتي، خصوصًا في حالات الانشقاق ذات الحساسية العالية. وتبرز هذه العمليات بوصفها تقاطعًا بين الأمن والسياسة، حيث يتحول الأفراد إلى أهداف نظرًا لما يحملونه من معلومات أو رمزية. وفي هذا السياق، يمكن فهم بعض الحوادث بوصفها امتدادًا لتقاليد أقدم في العمل الاستخباراتي، أكثر مما هي ظواهر معزولة.
فمن أبرز هذه العمليات التي جرت في أوكرانيا اغتيال دينيس فورونينكوف عام 2017، وهو نائب روسي سابق فرّ إلى أوكرانيا وأدلى بشهادات ضد الكرملين، قبل أن يُقتل بالرصاص في كييف في آذار من ذلك العام. وقد اتهمت السلطات الأوكرانية أجهزة روسية بالوقوف خلف العملية عبر شبكة منفذين محليين لكن التحقيقات ظلت غير واضحة، ما يجعلها نموذجًا كلاسيكيًا لعمليات تصفية “المنشقين ذوي القيمة الاستخباراتية.
كما يُعد اغتيال أرسين بافلوف (موتورولا) عام 2016 مثالًا آخر، حيث كان قائدًا بارزًا في قوات دونيتسك الانفصالية، وقُتل بتفجير عبوة ناسفة داخل مصعد سكني. وعلى الرغم من أن روسيا اتهمت أوكرانيا بالوقوف خلف العملية، فإن هذا النوع من العمليات يعكس أيضًا بيئة حرب استخبارات متبادلة داخل مناطق النزاع، حيث تُستخدم الأدوات نفسها من قبل الطرفين. وينطبق الأمر ذاته على اغتيال ألكسندر زاخارتشينكو عام 2018، الذي قُتل بانفجار داخل مقهى في دونيتسك، في حادثة تعكس طبيعة العمليات السرية المتبادلة في شرق أوكرانيا.
ومع تطور الحرب بعد عام 2022، اتخذت العمليات الاستخباراتية الروسية داخل أوكرانيا أشكالًا أكثر ارتباطًا بساحة المعركة، حيث أعلنت أجهزة الأمن الأوكرانية عن تفكيك شبكات تجسس وتخريب مرتبطة بجهاز الأمن الفيدرالي الروسي FSB، والاستخبارات العسكرية الروسية GRU . وقد اضطلعت هذه الشبكات بمهام متعددة، منها تحديد مواقع عسكرية لاستهدافها بالصواريخ، وزرع عبوات ناسفة، ونقل معلومات حول تحركات القوات، وهو ما يندرج ضمن ما يُعرف بـ“الاستخبارات العملياتية” المرتبطة مباشرة بساحة القتال.
كما شهدت مدن مثل خيرسون وميليتوبول سلسلة من عمليات الاغتيال والتفجيرات التي استهدفت مسؤولين محليين، حيث أعلنت أوكرانيا في بعض الحالات مسؤوليتها عن استهداف متعاونين مع روسيا، بينما اتُّهمت روسيا في حالات أخرى بتصفية شخصيات مشكوك بولائها أو لضبط البيئة الأمنية. ويكشف هذا التداخل عن صعوبة التمييز الدقيق بين الفاعلين، في ظل استخدام الأدوات الاستخباراتية نفسها من قبل الطرفين داخل بيئة نزاع معقّدة.
إلى جانب ذلك، اعتمدت روسيا على عمليات تخريب عميق، من خلال استخدام عملاء محليين، ومتعاونين في المناطق المحتلة، ووحدات خاصة خلف الخطوط، بهدف ضرب البنية التحتية، وتعطيل الاتصالات، وتوجيه الضربات الصاروخية بدقة، وهو ما يعكس تكامل العمل الاستخباراتي مع العمليات العسكرية.
اختلاف الأنماط الاستخباراتية وخلاصة التقييم
رغم هذا الحضور الواضح للعمليات الاستخباراتية الروسية، فإنها تبدو مختلفة في طبيعتها عن العمليات الأوكرانية داخل روسيا، وهو ما يمكن تفسيره بعدة عوامل مترابطة.
أولًا، على مستوى الهدف الاستراتيجي، تركز روسيا بشكل أكبر على دعم العمليات العسكرية والسيطرة الميدانية، في حين تميل أوكرانيا إلى توظيف العمليات الاستخباراتية لأغراض الردع الرمزي وتنفيذ ضربات داخل العمق الروسي ذات تأثير نفسي وإعلامي.
ثانيًا، تختلف البيئة العملياتية بين الطرفين؛ فروسيا تعمل داخل مناطق حرب مفتوحة وأراضٍ محتلة جزئيًا، ما يجعل عملياتها أقل سرية بالمعنى التقليدي وأكثر ارتباطًا بالسياق العسكري المباشر، في حين تعمل أوكرانيا داخل بيئة روسية مغلقة أمنيًا، الأمر الذي يمنح عملياتها طابعًا استخباراتيًا أكثر نقاءً من حيث التخفي والاختراق.
ثالثًا، يلعب الإرث التاريخي دورًا مهمًا، إذ تنتمي المدرسة الروسية- من KGB إلى FSB وGRU- إلى تقليد يجمع بين العمل الاستخباراتي والعمل العسكري، حيث برعت في مجالات الاختراق والتجنيد والعمليات الخارجية، لكنها تميل إلى دمج هذه الأدوات ضمن إطار العمليات العسكرية الشاملة.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن روسيا نفّذت وتنفّذ بالفعل عمليات اغتيال وتخريب داخل أوكرانيا، بشكل واضح منذ عام 2014 وتوسّع بعد 2022، إلا أن هذه العمليات تختلف نوعيًا عن نظيرتها الأوكرانية داخل روسيا، إذ تبدو أقل رمزية من حيث التأثير الإعلامي، وأكثر ارتباطًا بساحة المعركة، وتعتمد بدرجة أكبر على العملاء المحليين والعمل ضمن مناطق النفوذ المباشر أو القريب. كما تُظهر بعض القراءات أن الاستهداف الروسي يتركّز بدرجة أساسية على مراكز القرار والسيطرة والبنى التحتية ذات الطابع العسكري أو اللوجستي، مع سعي معلن لتجنّب توسيع نطاق العمليات إلى أهداف مدنية مباشرة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم هذا النمط ضمن اعتبارات أوسع تتعلق بإدارة الصورة الدولية، في ظل بيئة رقابة ومتابعة من جهات دولية متعددة، إضافة إلى السعي لتقديم العملية بوصفها ذات طابع أمني–استراتيجي مرتبط بتوازنات إقليمية، أكثر من كونها نزاعًا مفتوحًا يستهدف المجتمع ككل. كما يظهر في الخطاب الرسمي الروسي تأكيد متكرر على التمييز بين السلطة السياسية في كييف والمجتمع الأوكراني، مع إبراز بعد إنساني في التعامل مع السكان المدنيين، بصرف النظر عن الجدل القائم حول التوصيفات القانونية والسياسية المرتبطة بشرعية السلطة وطبيعة الصراع.
وعليه، فإن الخلاصة الدقيقة لا تتمثل في وجود تفاوت في القدرة، بل في اختلاف النموذج الاستخباراتي نفسه؛ إذ تعمل روسيا وفق نموذج يمكن وصفه بـ“استخبارات داعمة للحرب والسيطرة”، في حين تطورت أوكرانيا نحو نموذج يقوم على “الاستخبارات العميقة والضربات الرمزية عالية التأثير”، وهو اختلاف يعكس تباين الأهداف والبيئات العملياتية أكثر مما يعكس تفاوتًا جوهريًا في الكفاءة.
لماذا لا تغتال موسكو زيلينسكي كما تفعل الولايات المتحدة أو إسرائيل في سياسات “القتل المستهدف”؟
يُطرح هذا السؤال بإلحاح في سياق المقارنة بين أنماط العمل الاستخباراتي لدى القوى الكبرى، ولا سيما عند ملاحظة أن روسيا، رغم انخراطها في حرب مفتوحة مع أوكرانيا، لم تنجح في اغتيال الرئيس فولوديمير زيلينسكي، ولم تعتمد نمطًا معلنًا من “القتل المستهدف” كما هو الحال في التجربتين الأمريكية والإسرائيلية. غير أن هذا الطرح، في صورته المباشرة، ينطوي على تبسيط مخلّ، إذ لا يمكن تفسير السلوك الروسي من خلال غياب الفعل فقط، بل ينبغي قراءته ضمن سياق مركّب من العوامل العملياتية والاستراتيجية والقانونية.
في المستوى الأول، تُشير المعطيات المتاحة إلى أن روسيا لم تمتنع مبدئيًا عن استهداف القيادة الأوكرانية، بل حاولت بالفعل اعتماد مقاربة “قطع الرأس” في الأيام الأولى للحرب، في إطار خطة السيطرة السريعة على كييف. غير أن هذه المحاولات لم تحقق أهدافها، سواء بسبب سرعة تكيّف الجانب الأوكراني، أو بفعل الدعم الاستخباراتي الغربي الذي عزّز من إجراءات الحماية حول القيادة. ومع مرور الوقت، تحوّلت البيئة الأمنية في كييف إلى بيئة شديدة التحصين، ما جعل تنفيذ عملية اغتيال مباشرة أمرًا بالغ التعقيد، يتطلب اختراقات عميقة وشبكات واسعة يصعب الحفاظ عليها دون كشف.
في المستوى الثاني، يرتبط الأمر بحسابات الجدوى السياسية والاستراتيجية. فاغتيال رئيس دولة في سياق حرب مفتوحة لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الدولة، بل قد ينتج أثرًا معاكسًا يتمثل في تعزيز التماسك الداخلي، وتحويل الشخصية المستهدفة إلى رمز تعبوي، وزيادة الدعم الدولي. وتُظهر الأدبيات الحديثة حول “استراتيجية قطع الرأس” أن هذا النوع من العمليات لا يحقق بالضرورة أهدافه، خاصة في الدول التي تمتلك مؤسسات سياسية وعسكرية قادرة على الاستمرار. ومن هنا، قد يكون الإبقاء على القيادة المعادية حيّة—مع استنزافها عسكريًا واقتصاديًا—خيارًا أقل كلفة وأكثر قابلية للضبط.
أما في المستوى الثالث، فيتعلق الأمر باعتبارات الردع الدولي. فاستهداف شخصية بحجم زيلينسكي كان يمكن أن يُفسَّر كتصعيد نوعي خطير، قد يفتح المجال أمام تدخل أوسع من قبل حلف الناتو أو يدفع إلى توسيع نطاق الدعم العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا. وفي هذا الإطار، قد تكون موسكو قد فضّلت ضبط مستوى التصعيد، وتجنّب خطوات قد تؤدي إلى تداعيات يصعب التحكم بها.
ومن زاوية المقارنة، لا بد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تبنّتا، في سياقات مختلفة، سياسات أكثر وضوحًا في استهداف القيادات، سواء عبر “القتل المستهدف” أو عبر عمليات خاصة عالية الحساسية، مثل تبني اغتيال خامنئي، واختطاف مادورو، واستهداف شخصيات تُعدّ جزءًا مباشرًا من البنية القتالية أو الأمنية للخصم، كما في حالة اغتيال قاسم سليماني. ويعكس هذا التوجّه اعتماد مقاربة هجومية تقوم على تحييد مراكز القرار السياسي والعملياتي لدى الخصم.
في المقابل، لا يبدو أن روسيا اعتمدت النمط نفسه بصورة منهجية في الحالة الأوكرانية، رغم وجود مؤشرات على محاولات مبكرة لاستهداف القيادة. ويمكن تفسير هذا التباين بعدة عوامل، منها اختلاف طبيعة الصراع، إذ يدور النزاع الروسي–الأوكراني بين دولتين ذات سيادة، ما يجعل استهداف رأس الدولة خطوة ذات تبعات سياسية وقانونية عالية، إضافة إلى اختلاف تقدير المخاطر، حيث قد يؤدي اغتيال رئيس دولة إلى تصعيد دولي واسع يصعب احتواؤه.
كما يرتبط الأمر باختلاف في المقاربة الاستراتيجية؛ فبينما تميل بعض الدول إلى اعتماد “استراتيجية قطع الرأس” كوسيلة لتقويض الخصم بسرعة، تبدو روسيا، في هذه الحالة، أكثر ميلًا إلى إدارة الصراع ضمن إطار تدريجي قائم على الاستنزاف والسيطرة الميدانية، مع تجنّب خطوات قد تؤدي إلى تحوّلات نوعية غير محسوبة في مسار النزاع.
وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار عدم اغتيال القيادة الأوكرانية دليلًا على التزام خاص بميثاق الأمم المتحدة، إذ إن السلوك الفعلي للدول لا يُقاس بالامتناع الجزئي، بل بمجمل الممارسة. فالدول قد تمتنع عن وسيلة معينة ليس لأنها غير مشروعة في نظرها، بل لأنها غير مجدية أو عالية الكلفة أو محفوفة بالمخاطر. كما أن القانون الدولي نفسه يميّز بين الاغتيال السياسي المحظور والقتل المستهدف ضمن نزاع مسلح، دون أن يبيح استهداف القادة السياسيين المدنيين بشكل مطلق.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن المقاربة الروسية في هذا الصراع لا تبدو قائمة، في جوهرها، على توسيع أدوات الحرب الهجينة بمعناها الهجومي، بقدر ما تميل إلى نمط أقرب إلى الحرب الوقائية وضبط إيقاع التصعيد. فالسلوك الروسي يوحي باستمرار الانطلاق من تقدير مفاده أن جذور الأزمة ترتبط بتدخلات خارجية في البيئة الأوكرانية، وأن الحسم لا يتحقق فقط عبر أدوات الاستهداف المباشر، بل عبر مسار مركّب يجمع بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي.
وفي هذا السياق، لا يظهر غياب نمط “قطع الرأس” أو محدودية العمليات العميقة داخل أوكرانيا بوصفه تعبيرًا عن نقص في القدرة، بقدر ما يمكن فهمه ضمن إطار اختيار استراتيجي يوازن بين الكلفة والعائد، ويتجنب خطوات قد تؤدي إلى تصعيد غير قابل للضبط. كما أن المقارنة مع العمليات الأوكرانية داخل العمق الروسي لا تعني بالضرورة تفوقًا بنيويًا، بل تعكس اختلافًا في طبيعة الأهداف والتكتيكات.
وعليه، يمكن افتراض أن القدرات على تنفيذ عمليات أكثر إيلامًا أو تعقيدًا قائمة من حيث المبدأ، غير أن توظيفها يظل مرهونًا باعتبارات سياسية واستراتيجية أوسع، تجعل من إدارة الصراع وتوجيهه—وليس فقط تصعيده—العنصر الحاكم في السلوك الروسي.
