مقالات

حرب الوجود وتغيير المعادلات… من الميدان إلى الوعي وكي الوعي \ عماد العيسى

من الواضح ان ما يجري في المنطقة، لا يمكن إختصاره بعنوان “تصعيد عسكري” أو “جولة مواجهة”، فمنذ السابع من أكتوبر دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة كليآ، عنوانها الأوضح… حرب الوجود ، هذا التوصيف لم يأتِ من محور دون آخر، بل أعلنه صراحة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين النتن ياهو، فيما تنظر الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى المواجهة بالمنطق نفسه، وخاصة عندما تسمع بلسان الرئيس الأمريكي ترامب ،والطفل المدلل النتن ياهو مقولة ( تغيير النظام ) ،إذآ هو صراع بقاء لا يحتمل الهزيمة،فحين تُوصَف الحرب بأنها وجودية، تسقط الخطوط الحمراء التقليدية، وتتغير قواعد الاشتباك، وتتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لإعادة صياغة المعادلات الكبرى… عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً، وحتى شعبياً.
تبقى فلسطين قلب المعادلة، لكن ما يجري تجاوز حدود غزة والضفة، ليتحول إلى اختبار شامل لبنية النظام الإقليمي، فلم تعد المسألة مجرد مواجهة بين مقاومة وجيش احتلال، بل صدام بين مشروعين… مشروع يريد تثبيت هيمنة مطلقة، وآخر يعتبر أي تراجع تهديداً وجودياً ،خلال عقود قامت معادلة الأمن الإقليمي على المظلة الأمريكية، من خلال انتشار قواعد عسكرية في دول عربية ،تحت عنوان “الحماية” غير أن التطورات الأخيرة ،أظهرت أن هذه المعادلة لم تمنع الانفجار، ولم تضبط إيقاع النار كما كان يُعتقد، وهنا سؤال عميق بدأ يتشكل، هل كانت تلك الحماية ضمانة استقرار فعلي ، أم جزءاً من إدارة صراع طويل يخدم توازنات بعينها؟ ، لذلك تبين أن من دخل المنطقة تحت عنوان ،حماية المصالح والدول العربية المستضيفة وبناء القواعد العسكرية ،أصبح بحاجة لحماية …
وفي قلب هذه اللحظة، يبرز السؤال الأكثر حساسية، ماذا عن القوى المتحالفة ضمن محور المقاومة؟،
نتحدث عن قوى مثل حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، وفصائل المقاومة في العراق، هل يمكن لهذه القوى أن تبقى على الحياد ،في حرب تُعرّف بأنها مصيرية؟.
منطق التحالفات الاستراتيجية يقول، إن مصير الأطراف مرتبط بالمركز، فإذا تعرضت إيران لهزيمة كبرى، فإن ذلك سينعكس مباشرة على هذه القوى، سياسياً وأمنياً وفي المقابل، إذا تحقق نصر إيراني واضح، فإن المشاركة فيه ولو بحدود محسوبة ، تعني تثبيت موقعها في أي نظام إقليمي جديد،
لكن القرار ليس عاطفياً، هناك حسابات دقيقة تتعلق بسقف التدخل الأمريكي، وبقدرة هذه القوى على تحمّل حرب شاملة، وبالمواقف الدولية الكبرى، لذلك قد لا يكون الخيار بين “حياد” و”حرب شاملة”، بل بين درجات من الانخراط المدروس.
دوليآ في حال إتسعت المواجهة لتشمل الممرات البحرية، فإننا نكون أمام تحول عالمي، مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان رئيسي للطاقة العالمية، وأي تهديد لحركته يعني ارتدادات مباشرة على أسعار النفط والغاز، وعلى الاقتصاد الأوروبي تحديداً.
هنا تظهر معضلة أوروبا، فهي مرتبطة استراتيجياً بالولايات المتحدة عبر حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه، تخشى أزمة طاقة جديدة تضرب اقتصاداتها، فهل تبقى في موقع الاصطفاف الكامل خلف واشنطن؟ ،أم تحاول البحث عن دور مستقل يحمي مصالحها أولاً؟.
الإجابة لم تتضح بعد، لكن من المؤكد أن أوروبا لن تستطيع تجاهل تداعيات، أي تصعيد طويل في المنطقة .
في موازاة الميدان العسكري، هناك ميدان آخر لا يقل أهمية، (ميدان الوعي) الفيديوهات التي تنتشر عبر وسائل التواصل، والتي توثق استهداف قواعد ،أو مواقع ذات صلة بوجود أمريكي أو إسرائيلي في بعض الدول العربية، تكشف جانباً آخر من المعركة.
اللافت هنا ليس فقط الحدث العسكري، بل ردود الفعل الشعبية المصاحبة له، مشاهد الفرح والهتاف في بعض المقاطع، تعكس حالة شعورية عميقة تراكمت عبر سنوات، وبلغت ذروتها مع ما جرى في غزة، هذا المزاج الشعبي يعبر عن فجوة واضحة ،بين وجدان الشارع العربي والسياسات الدولية السائدة،ولكن بنفس الوقت يجب التمييز بين العاطفة والاستراتيجية.
الحماسة الشعبية مفهوم في سياق شعور عام بالظلم، إلا أن أي تصعيد واسع قد تكون كلفته الأولى على الشعوب نفسها.
ما بعد السابع من أكتوبر ، او العودة إلى ما قبل هذه اللحظة تبدو شبه مستحيلة،المنطقة دخلت طور “السيولة الاستراتيجية” لا تحالفات ثابتة، ولا قواعد اشتباك مستقرة، بل إعادة رسم لموازين القوة وفق نتائج الميدان وتوازنات المصالح، لذلك نحن أمام احتمالين كبيرين،إعادة تشكيل النظام الإقليمي على قاعدة توازنات ردع جديدة،أو انفجار شامل يعيد الجميع إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً،
في كل الأحوال، فلسطين تبقى جوهر المعادلة، لا هامشها، فحين يُطرح الصراع بوصفه وجودياً، يصبح كل طرف مقتنعاً بأن التراجع ليس خياراً.
بالنتيجة فإن حرب الوجود ليست شعاراً إعلامياً، بل لحظة مفصلية تتقاطع فيها الجغرافيا مع الطاقة، والسياسة مع الشارع، والميدان مع الصورة،الحياد في صراع كهذا يبدو خياراً هشاً، سواء على مستوى الدول أو القوى أو حتى الرأي العام، لكن بين الغضب الشعبي والحسابات الاستراتيجية ،مساحة تحتاج إلى عقل بارد ورؤية بعيدة المدى.
الشرق الأوسط يقف على مفترق تاريخي،إما أن تفرز هذه الحرب معادلات جديدة ،يكون فيها التسلط الامريكي والهيمنة الاسرائيلية واحلام (اسرائيل الكبرى ) في طي النسيان الأبدي،بمعنى نهاية هذا المشروع .
وإما أن تنفتح أبواب مرحلة أشد قسوة، وبكلتا الحالتين والأكيد أن ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها بالمطلق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى