
النائب العلويّ … ترتيب الأولويات | م. ربيع معين سليمان
باعتبار أن النيابة هي مهمة سياسية ذات وظيفة تشريعية كما أقر الدستور ، والنائب فيه هو نائب عن الأمة وعن الشعب اللبناني كافة .
وباعتبار أن طبيعة النظام السياسيّ افترضت تقسيم النواب في المناطق حسب الطوائف ..
وفي غياب مجلس الشيوخ الذي أقرّه الطائف ..فإنّ وظيفة النائب اللبناني باتت تتأرجح بين الدّين والسياسة في جدليّة تزيد عليه عبء التمثيل وتجعل مهمّتَهُ أكثرَ صعوبةً وتعقيداً ، فإمّا أن ينجحَ ويثبت كفاءته في تمثيل الطائفة سياسياً أو يفشل فيعتمد أسلوب التنصّل والمناورة بينهما .
وبين النجاح والفشل تتحدّد الشروط التي يجب توفرها في النائب ، من حيث امتلاك الثقافة أو الخبرة والتجربة التي تؤهله للقيام بهذه المهمة .
ويعتبر النائب العلوي أكثر من يحمل عبء هذا التأرجح بسبب التعقيدات والصعوبات التي أحاطت بالطائفة العلوية وتجربتها السياسية في لبنان … حتى بات من الضروري ترتيب وتوضيح الأولويات التي يجب أن يتحلّى بها المرشح-النائب العلويّ لكي يضمن نجاحه في مهمته ، ونجاحه في تمثيل طائفته .
فهو انطلاقاً من التسمية :
( نائب لبناني عن طرابلس ، المقعد العلوي )
هذا العنوان يحدد بالتراتبيّة الوطنيّة دور النائب العلوي عن مدينة طرابلس ، ويرسم موقعه على الخريطة السياسية .
فالنائب العلويّ الذي سوف يتم انتخابه هو قبل اي اعتبارٍ مواطنٌ لبنانيّ الانتماءِ والهوى والهويّة ، يتمتع بحقوق المواطَنة شأنه شأنه أي لبنانيٍّ على امتداد خريطة الوطن ولا يقلّ عن أي منهم منزلةً أو قيمةً ولا يجوز أن يُمنًح أي مواطنٍ يحمل الهوية اللبنانية قيمةً تفضيليةً عن غيره لانتماءات مناطقيةٍ او دينيةٍ … فهذا يُنقِص من قيمة الانتماء ويُحدِث خللاً في الولاء ؛ كما يمارس واجباته التي يُمليها عليه القانون اللبناني بالتساوي بين جميع أفراده لتحقيق العدل والمساواة ؛ وهو إن عرَضَ له تأثّرٌ خارجيٌّ كما هي حال أي مواطن لبنانيّ بما يملكه اللبنانيون من ارتباطٍ وتأثّرٍ خارحيّ فإنه يستثمر ويوظف هذا الجانب في منفعةِ وخدمة انتماءه ، وهو بذلك يُعلي ولاءَه لوطنه فوق كل الاعتبارات ، ويرفع وطنيّته فوق كل أشكال التأثير .
_ وهذه رسالةٌ قد تكون نداءً لكل نائب في هذا الوطن _
وهو نائب عن مدينة طرابلس التي أعطته شرف الانتماء لمدينة امتزج وتعاصَر تاريخه في تاريخها ، وشارك في مراحل حضارتها وساهم في خدمتها ، وهو الآن يتقاسم حاضرها مع أبناء المدينة ، يتشارك معهم حلوَ الحياة ومرًّها ، يتقاسم معهم هموم المدينة ومعاناتها ومشاكلها اليوميّة ، يحملون الآلام و الآمال سوية ، أكتافهم تسند بعضها في الويلات ، وزنودهم تتشابك مع بعضها في الأزمات … طرقات المدينة تجمعنا في مسيرنا ، كما يجمعنا الماء والهواء ورغيف الخبز ، هذا قدرٌ نفتخر به ، ويُغنينا بالتنوّع والمنافسة لتقديم الأفضل في خدمة المدينة وازدهارها .
فالمدينة بيئةٌ وحاضنةٌ مشتركةٌ لا تعرف التجزئة ولا تقبل التقسيم … فحين يكون الهواء والماء ورغيف الخبز واحداُ ، يكون المصير واحداً … وهذه حقيقةٌ تاريخيةٌ وانسانيةٌ ووطنيةٌ لا يتجاهلها إلا قاصريّ الفهم وأعداء الحقيقة …
وبالتالي فإنّ كتلة النائب الطبيعية من الناحية الخَدَميّةٍ وتحصين وتحصين الحقوق هي كتلة نوّاب طرابلس ، لتحقيق مستوى لائق من العيش الكريم لجميع أبناء المدينة ، فهذا واجبٌ اخلاقيٌّ ومصلحةٌ وجوديّةٌ تعلو فوق كل الإعتبارات .
وهو بالتسمية الطائفية للتركيبة السياسية نائبٌ علويٌ لضمان حقوق الطائفة التي يمثّلها منعاً للظلم والاستبعاد إن حصل ، تحقيقاً لأسس العدالة ومنطق المواطنة …
هذه التسمية هي سبيل لمنع الظلم ،
وضمان العدالة والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات ، ولضمان مشاركة الجميع في مسؤولية الانتماء إلى الوطن …
ومع ذاك ، فطالما أن النيابة هي منصب سياسيٌّ ومهمةٌ مدنيّةٌ ، وليست توكيلاً دينياً ، فلا يجب أن يحمل النائب صبغةً دينيةً وتوكيلاً مذهبياً يفوق وظيفته التشريعيّة والسياسيّة ، فهذا يعود إلى المؤسسات الدينيّة التي تقوم بهذه المهمة ، ويؤذي دور ووظيفة النائب وتجعله خاضعاً لتأثير منطقٍ دينيٍّ قد يطغى على دوره السياسي والتشريعيّ .
وضمن هذا السياق … فالنائب العلويّ هو من الناحية الوطنية لبنانيّ أولاً طرابلسيٌّ ثانياً علويٌّ ثالثاً .. في ترتيبٍ لا يمسّ قدسيّة الولاء الديني كما لا يمسّ خيار الإنتماء الوطني …. ويبقى مقدار نجاحه في مهامه رهنٌ على إيمانه وقدراته وعلى ملاقاة بقية الأفرقاء له في هذا الفهم وإعلاء مصلحة الوطن فوق كل الإعتبارات .
إن هذا الطرح الذي يكاد ينطبق على الجميع ، ويؤمن للكل مصلحةً عليا كما يضمن تحقيق سيادة منطق الدولة وتطبيق منطق العدالة الاجتماعية والمساواة التي تضمن للجميع حقوقهم وواجباتهم … فعندما تكون هذه القيم مُصانة بموجب الدستور والممارسة تنتفي كل الأصوات والطروحات الأخرى التي تقوّض منطق الدولة وتهدّد العيش المشترك .
هذا ما نفهمه من دور النائب العلويّ ، وهذا ما يطلبه الناخب العلويّ من نائبه ؛ فللنائب دور أساسيّ طبيعيّ في التشريع ، ودورٌ سياسيّ مُوكل إليه بحكم التركيبة الطائفية في ترسيخ العيش المشترك وتحقيق سياسة أمانٍ بما ينسجه من تحالفات تعكس صيغة العيش المشترك وتخدم مصلحة الاستقرار والازدهار لجميع أبناء المدينة .
المصدر الملف الاستراتيجي
