
من تحت الركام: نهاية المحاصصة وبداية الدولة
د. مصطفى قراعلي*
تحت أنقاض التبانة، لم تسقط الحجارة وحدها، بل سقطت القدرة على الاستمرار كما لو أن شيئاً لم يكن. من هذه اللحظة، يصبح كل ما كان مقبولاً أمس غير قابل للدفاع عنه اليوم.
انتهت صلاحية مرحلة كاملة من إدارة المدينة وتمثيلها؛ مرحلة عاشت على التسويات، وتقاسم النفوذ، وتأجيل الأعطال بدل إصلاحها. المدينة التي ترى أبنائها تحت الركام لا تعود إلى السياسة نفسها.
ما حدث لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة مسار طويل قُدِّمت فيه التوازنات الطائفية على المدينة وسلامة أهلها. هذه المرة، كان الواقع أعلى من أي رواية.
اليوم ثبت العكس.
ما الذي سقط في التبانة؟
في التبانة، الضاحية الطرابلسية المنهكة أصلاً بالفقر، لم يسقط سقفٌ فحسب، بل سقطت الصيغة التي حكمت المدينة لعقود. سقط الوهم بأن الأمور يمكن أن تستمر كما هي، وأن الثقة تُمنح تلقائياً مهما تراكم العجز.
المدينة التي تُترك بيوتها للسقوط تكتشف الحقيقة القاسية: أنها لم تكن في سلّم أولويات من ادّعوا تمثيلها. ما سُمّي سياسة لم يكن حماية للناس، بل إدارة توازنات بعيدة عن حياتهم وكرامتهم.
ومن تحت الركام يرتفع السؤال الذي لا يمكن تأجيله بعد اليوم: من يحكم؟ من يحاسب؟ ومن يحمي فعلاً؟ وإذا كان النظام لم يمنع هذه النهاية، فإنه يفقد مبرر استمراره بالصورة التي عرفناها.
بداية زمن آخر
بعد التبانة، لم يعد السؤال من أخطأ، بل ماذا سيولد من هذا الألم. فالمدينة التي عبرت هذه اللحظة لم تعد كما كانت، ولا يمكن أن تُدار بالعقليات نفسها.
المطلوب اليوم ليس إصلاحاً جزئياً، بل انتقال في معنى السياسة نفسه: من شرعيةٍ موروثة إلى شرعية تُبنى بالفعل، ومن تمثيلٍ مُعلن إلى ثقة تُمنح لمن يثبت أنه يحمي. فحين تفشل السياسة في منع الخطر، يصبح واجباً أن نعيد بناء السياسة.
ما جرى لم يكن تفصيلاً عابراً، بل إعلاناً قاسياً عن نهاية زمن التأجيل. عندما تصل الأبنية إلى مرحلة الخطر البنيوي، يسقط معها وهم المعالجات الموضعية، ويتحوّل الانتظار إلى تواطؤ.
هذه لحظة أكبر من الأشخاص والحسابات. إنها تعيد تعريف وظيفة الدولة: إمّا حماية حقيقية، أو فراغ.
طرابلس تقف أمام باب جديد، باب يضع الناس فوق كل ميزان مكسور، ويجعل المسؤولية أساس الحكم لا تفصيلاً فيه.
وفي مثل هذه اللحظات يسقط الحياد. البقاء داخل الأدوات التي ثبت عجزها لم يعد حذراً سياسياً، بل مشاركة في استمرار الفشل.
من تحت الركام يولد المطلب
في التبانة انتهى زمن الانتظار. لم يعد ممكناً تجميل الصيغة أو تأجيل الحقيقة، لأن السلطة التي تعجز عن حماية الحياة تبدأ بفقدان شرعيتها، مهما بقيت قائمة.
ومن بين الحجارة ارتفع المطلب الذي لا عودة عنه: دولة وظيفتها الأولى الحماية. ليست دولة القيد الطائفي، ولا اقتسام المغانم، ولا إدارة الأعذار، بل دولة تضع حياة الناس فوق هذه الاعتبارات التي سقطت الآن. لم يعد السؤال كيف نحافظ على التوازنات، بل كيف نحمي البشر. وما عدا ذلك من منطق المحاصصات سقط في الماضي.
اليوم نصرف المال في ترميم لنؤجّل المشكلة. المطلوب أن نصرفه لننهيها. المطلوب إعادة تصميم المدينة، لا ترقيعها. لأن ترميم ما ينهار دون تغيير الشروط التي جعلته ينهار ليس حلاً، بل تأجيلٌ لسقوط جديد.
هذا يعني الانتقال من ردّ الفعل – ترميم مبنى يوشك على السقوط – إلى سياسة عمرانية شاملة تعيد تعريف وظيفة المنطقة كلها، ضمن خطة واضحة لإعادة تأهيل المناطق المهددة في طرابلس، تنقلنا من منطق الترميم إلى منطق إعادة التأسيس.
ما يفرضه الألم اليوم ليس شعاراً. إنه نتيجة. والنتائج لا تُؤجَّل.
اختبار الدولة
بعد التبانة، لم يعد النقاش عن تحسين الإدارة، بل عن معنى الحكم نفسه. الشرعية لم تعد تُقاس بقدرة الدولة على إدارة التوازنات، بل بقدرتها على حماية الناس.
هنا يتحدد موقع كل مسؤول: إلى جانب الناس، أو خارج التاريخ الذي يصنعونه الآن.
هذه اللحظة تضع رئاسة الجمهورية أمام مسؤولية استثنائية. ليس المطلوب تدوير الزوايا، بل نقل البلاد من منطق الانقسام إلى منطق الدولة، ومن نظامٍ يبرّر العجز إلى سلطةٍ تعتبر الحماية واجبها الأول.
إنها فرصة لإعلان واضح بأن القيد الطائفي ليس حتميّاً، وأن الدستور ليس نصاً مؤجلاً، بل إطار عمل قابلاً للتنفيذ حين يتوافر القرار.
المطلوب فتح الطريق نحو الدولة المدنية، حيث القانون فوق الجميع، وحيث الأمان حقّ لا امتياز.
نحن أمام لحظة تأسيس فعلية. لحظة يمكن أن تعيد الثقة بين الناس ومؤسساتهم، وأن تمنح اللبنانيين سبباً ليصدقوا أن التغيير ممكن داخل الدولة لا خارجها. في مثل هذه اللحظات، تُقاس القيادة بالفعل الذي يفتح المستقبل، لا بالكلام الذي يؤجّله.
دعوة وطنية
ما بدأ في التبانة لا يخص حيّاً ولا مدينة، بل كل لبناني يؤمن بأن الحياة، بكل مقوماتها الأساسية، يجب أن تكون أولوية. هذه اللحظة لا تحتاج غضباً بقدر ما تحتاج شجاعة، ولا شعارات بقدر ما تحتاج استعدادًا لتحمّل مسؤولية بناء دولة مختلفة.
الدولة المدنية التي يفرضها الألم ليست ترفاً فكرياً، بل حاجة يومية لمن يريد أن يعيش بأمان. ومن هنا يصبح كل من يؤمن بالحماية والعدالة شريكاً في هذه اللحظة، أياً كان موقعه.
هذه الدولة ليست نفياً لأحد، بل ضمانة للجميع. هي الإطار الذي يبقى خارج الاختلاف بدل أن يحوّله إلى ذريعة دائمة للصراع. الباب مفتوح لكل من يختار أن يكون جزءاً من الحل، لا شاهداً على الانهيار. وطرابلس، بعد ما جرى، لم يعد في وسعها أن تدفع ثمن حصار الطائفية السياسية ووصايتها مرة أخرى.
المطلوب الآن تضامن وطني يعيد ترتيب المعادلة: الحياة أولاً، القانون أولاً، والمسؤولية أولاً. وعندما تلتقي إرادة الناس مع دولة تستجيب، لا يبقى الألم نهاية، بل يتحوّل إلى بداية.
طرابلس ستنهض بأهلها. ومن هنا يبدأ لبنان من جديد. الطريق صعب، لكنه الطريق الوحيد نحو مستقبل يليق بأبنائنا.
- مؤسّس مبادرة طرابلس أولاً
جريدة اللواء 12 شباط 2026
