مقالات

فضيحة «أبو عمر \ د. مصطفى قراعليحزب الشباب الوطني \ المصدر جريدة اللواء \ https://aliwaa.com.lb/share/553610

في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، يتآكل فيها النسيج السياسي وتتعمّق مشاعر التهميش والغبن، ولا سيّما في المناطق ذات الغالبية السنيّة التي عانت طويلاً من الإقصاء وغياب الدولة، من طرابلس إلى عكّار وصيدا والبقاع، تبرز اليوم أصوات تقول إن السنّة خسروا «صلاحياتهم» داخل كيان الدولة، وتدعو إلى استعادتها عبر إعادة إنتاج منطق المحاصصة الطائفية أو من خلال تأسيس أحزاب طائفية جديدة تحت عنوان الدفاع عن الحقوق. لكننا، وخصوصاً في ظل الاعتداءات المتكرّرة على تعايش طرابلس ومحاولات جرّها إلى الفتنة، نقول بوضوح ومسؤولية: إن كرامة السنّة، كما كرامة جميع اللبنانيين، لا تُستعاد بالانغلاق ولا بالاحتماء خلف الهويات المذهبية، بل تُصان حين تكون الطائفة في طليعة مشروع وطني جامع، شريكاً في بناء الدولة، لا أسيرةً لخنادقها.

إن مظلومية السنّة حقيقية، لكنها ليست حتميّة، ولا تُعالَج بمزيد من التقوقع داخل نظام أثبت فشله وإفلاسه الأخلاقي والسياسي. من يريد إنصاف السنّة فعلاً، عليه أن يسأل: هل كانت المحاصصة يوماً ضمانة للعدالة؟ وهل حمت المواطنين أم حوّلتهم إلى أدوات في صراع نفوذ دمّر الدولة وأفقر الناس؟ اليوم، وفي وجه كل محاولة لضرب التعايش المجتمعي أو الاستثمار في الخوف، نؤكد أن الطريق الوحيد لاستعادة الدور والكرامة هو مشروع وطني يتجاوز الطوائف، ويعيد تعريف توازن المجتمع على أساس المواطنة، لا الغلبة العددية ولا «توازن الصلاحيات». بهذا الخيار فقط، يكون السنّة أوفياء لتاريخهم كرافعة دولة، لا كجماعة تبحث عن حصّة، ويكونون في موقع الريادة في بناء لبنان عادل، لا في إعادة تدوير نظام لم ينتج إلّا التهميش والانقسام.

من هنا، فإنّ الدفاع عن حقوق السُنّة، كما يُصوَّر أحياناً، لا يبدأ بتعزيز الطائفية بل بتجاوزها. فمَن يطلب الحماية الفعلية لأهله لا يُحكّم الغريزة المذهبية، بل يفتح الطريق أمام دولة تُنصف الجميع بالعدل والمواطنة. فلا سنّي في لبنان، ولا لبناني من أي خلفية أخرى، يمكن أن يجد الأمان في نظام يُساوم على الحقوق ويُدار بعقل الصفقات، لا بمنطق الدولة.

نحو مشروع وطني يتجاوز المحاصصة

لذلك لسنا بحاجة إلى تكرار نموذج الأحزاب الطائفية بلبوس جديد، بل إلى جرأة تطلق مساراً وطنياً مدنياً يُعيد إلى اللبنانيين ثقتهم بالدولة. المطلوب اليوم ليس حزباً سنّياً، بل مشروع إنقاذ وطني يُعيد تعريف الدولة كمؤسسة تُجسّد العدالة والمواطنة، وتشكّل إطاراً جامعاً لكلّ اللبنانيين، لا أداةً للمحاصصة وتقاسم النفوذ. مشروع يعمل من خلاله السنّة على تحييد الدولة عن التجاذبات العقائدية، لا رفضاً للإسلام، بل صوناً له من التسييس، وفتحاً للمجال أمام الفقه الإسلامي ليأخذ مجراه في حياة المسلمين اختياراً لا إكراهاً، واقتناعاً لا استغلالاً سياسياً.

بهذا فقط يصون السنّة حريتهم الدينية، ويستعيدون كرامتهم السياسية، ويكونون في موقع الريادة في بناء وطن لا يُظلَم فيه أحد ولا يحتكر فيه أحد القرار. بالانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل، من الهامش إلى التأثير، ومن الطائفية إلى الدولة، يتحوّل الحضور السنّي إلى قوّة اقتراح لا مجرّد اعتراض. فالسنّة لا يحتاجون إلى «وكيل سياسي»، بل إلى مشروع وطني يكونون في طليعته: شركاء لا زبائن، صانعين لا مُستَدرَجين.

حزب الشباب الوطني: جيل جديد، شراكة جديدة، لبنان جديد

من أراد الدفاع عن السنّة فليبنِ دولة. ومن أراد أن يصون كرامتهم، فليعمل من أجل دستور دولة يساوي فعلياً بين الجميع، ويمنع الاستقواء بأي طائفة على أخرى. فالدولة المدنية لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً جدلياً، بل هي اليوم ضرورة وجودية لمستقبل كلّ اللبنانيين، وأوّلهم السنّة.

ومن هنا، وباسم «حزب الشباب الوطني» – أوّل حزب تأسّس في لبنان عام 1932 على ركائز الوطنية والعدالة – أتوجّه إلى كل صاحب همّ وطني، وإلى كل مؤمن بلبنان مدني، عادل، وحر، أن يعتبر هذا الحزب في انطلاقته الإصلاحية الجديدة منصّةً له، وبيتاً لمشروعه كلبناني. لسنا حزباً شعاراتياً، ولا نبيع أوهاماً، بل نمدّ اليد لكل من يريد أن يكون شريكاً في التغيير، في بناء دولة حديثة تُقدّر فيها الكفاءات، وتُصان فيها الحقوق، ويعلو فيها صوت المواطن على منطق الطائفة. فلنبدأ معاً مساراً جديداً عنوانه الكرامة، أساسه المواطنة، وهدفه عدالة شاملة لكل اللبنانيين. هذا هو دربنا نحو لبنان الجديد، ودورنا أن نكون طليعته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى