
حين يحتاج الوطن إلى الصدقة… من المسؤول عن يُتم الدولة؟
بقلم: السفير الدكتور جيلبير المجبر
كفالة اليتيم فضيلة، والصدقة على المحتاج فعل رحمة، ومن يمدّ يد العون يستحقّ الشكر والتقدير. فاليتيم ليس مسؤولًا عن فقدان من يرعاه، والمحتاج لا يفقد كرامته حين يقبل المساعدة.
لكن ماذا نقول حين يصبح الوطن نفسه محتاجًا إلى من يساعده في تأمين الكهرباء لشعبه؟ وكيف نفسّر أن بلدًا يملك العقول والكفاءات والموارد البشرية، يصل إلى مرحلة ينتظر فيها مبادرات الدول لتأمين أبسط مقوّمات الحياة؟
هنا لا تعود القضية مجرّد كهرباء، بل تصبح قضية دولة ومسؤولية وكرامة وطنية.
حين تمدّ قطر يد المساعدة إلى لبنان، نشكرها ونقدّر كل دولة تقف إلى جانب شعبنا. فالتعاون بين الدول ليس عيبًا، والمساعدة في أوقات الأزمات ليست انتقاصًا من السيادة. لكن السؤال الذي لا يجوز الهروب منه هو: لماذا أصبح لبنان، بعد عقود من الوعود والسياسات والقرارات، عاجزًا عن تأمين خدمة أساسية من واجبات دولته؟
يا سادة الحكم، ماذا فعلتم بوطنٍ لم يكن ينقصه أبناؤه، بل كان ينقصه من يحسن إدارة مقدّراته؟
شعبٌ عمل ودفع الضرائب، وأبناؤه هاجروا بحثًا عن فرص الحياة، وأرسلوا الأموال إلى عائلاتهم، وصبروا على انهيار الخدمات وضياع الحقوق. ومع ذلك، ما زال المواطن ينتظر من دولته أن تؤمّن له أبسط مقوّمات العيش الكريم.
فمن يحاسب؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ وإلى متى يبقى المواطن يدفع ثمن قرارات لم يكن شريكًا في صنعها؟
لسنا ضدّ قطر، ولسنا ضدّ أي دولة صديقة تساعد لبنان. نحن ضدّ أن يصبح الاعتماد على الخارج بديلًا عن بناء المؤسسات، وضدّ أن تتحوّل المساعدة الاستثنائية إلى واقع دائم، فيما تبقى المسؤولية السياسية معلّقة بلا حساب.
المشكلة ليست في الدولة التي تساعدنا؛ المشكلة في الدولة التي جعلتنا نحتاج إلى المساعدة.
لا يجوز أن نحمّل المحتاج مسؤولية حاجته، ولا أن نلوم من يمدّ إليه يد العون. لكن من حقّ اللبنانيين أن يسألوا من أوصل دولتهم إلى هذا المستوى من العجز، وأين ذهبت فرص الإصلاح، ولماذا لم تتحوّل الوعود المتعاقبة إلى نتائج ملموسة في حياة الناس؟
إن كرامة الوطن لا تتعارض مع التعاون الدولي، بل تكتمل حين يصبح هذا التعاون شراكةً بين دول قادرة، لا تعويضًا دائمًا عن غياب الحلول الوطنية.
نحن لا نريد أن نغلق أبواب المساعدة أمام لبنان؛ نريد أن نغلق أبواب الفساد وسوء الإدارة التي جعلت الحاجة تتكرّر، والأزمات تتوارثها الأجيال.
لبنان ليس فقيرًا بأبنائه، ولا عاجزًا بطبيعته. لكن الشعب الذي يستحق دولةً تحميه لا يجوز أن يبقى رهينة دولةٍ لا تؤمّن له أبسط حقوقه.
فيا من تولّيتم مسؤولية الحكم: لا تطلبوا من اللبنانيين مزيدًا من الصبر قبل أن تقدّموا لهم حسابًا واضحًا. لا تكتفوا بشكر الدول المانحة، بل أجيبوا شعبكم: ما خطّتكم كي لا يضطر لبنان إلى انتظار المساعدة في كل أزمة؟ ومن سيحاسَب إذا بقيت الدولة عاجزة عن أداء واجباتها؟
نحترم من يساعد لبنان، لكننا نرفض أن يصبح العجز قدره. ونشكر من يمدّ إليه يد العون، لكننا نطالب باستعادة الدولة التي تحفظ كرامة أبنائها.
فالصدقة قد تخفّف حاجة اليوم، أمّا الدولة العادلة والقادرة فتحمي حقوق الناس وتصون مستقبلهم.
لبنان لا يحتاج إلى الشفقة؛ يحتاج إلى دولة. لا يحتاج إلى وعود جديدة؛ يحتاج إلى مسؤولين يُحاسَبون وحقوق تُصان.
لبنان يستحقّ أن يقف على قدميه، وأن يتعاون مع العالم من موقع الشراكة والكرامة، لا أن يبقى منتظرًا من ينقذه من أزمات كان يفترض أن تمنعها دولته.
لبنان أولًا، وكرامة الإنسان ليست صدقةً من أحد.
