
رغيف خبزنا المعجون داخل حظائر الطوائف ،بين فارق الخمسة قروش لبنانية والخمسة آلاف ليرة ، من يصدّق !نبيل الزعبي
في العام ١٩٧٣ اقدمت نقابة اصحاب الأفران في طرابلس على رفع سعر كيلوغرام رغيف الخبز من سبعة فرنكات لبنانية إلى ثمانية اي من ٣٥ قرش إلى ٤٠ قرشاً اي خمسة قروش ، بمعنى ان الليرة اللبنانية حينها كانت تساوي مائة قرش موزعة على عشرين فرنكاً يساوي الفرنك الواحد منها خمسة قروش وحسب ، ما احدث حينها انتفاضة شعبية رافضة لهذا القرار واستدعى ذلك قيام اللجان الشعبية في طرابلس التي كان رفاقنا البعثيون وراحلنا الكبير الدكتور عبدالمجيد الرافعي عصبها الأساسي باستخدام فرناً في منطقة باب التبانة الشعبية وآخر في المدينة الداخلية بالتعاون مع اصحاب الفرنين وعمالهما وتطوّع تاجر طحين في سوق القمح مدّ اللجان بالسعر الرسمي للطحين لتقديم الرغيف للمواطنين بسعره الثابت دون تكبيدهم اية زيادة تثقل كاهل معيشتهم ولو كانت بحدود خمسة قروش لبنانية لا غير .
يأخذني ما تقدّم إلى ما اقدمت عليه وزارة الاقتصاد مؤخراً من رفع لسعر ربطة الخبز ذات الكيلوغرام الواحد خمسة آلاف ليرة لبنانية دفعةً واحدة اي ما يحتاج إلى آلة حاسبة قد تكون الأقدر على تعداد الفارق بين المبلغين الذي يقارب نصف المليون من الأضعاف ولا ادري اقل من ذلك او اكثر لكسَلٍ كبير عانيته منذ صغري في الأعمال الحسابية دون الكسل في تحريض الشارع والمجتمع على رفض ما يجري لأخلص اليوم إلى مشهدية من العجز اجد نفسي وغيري نتقبل كل ما يتنزّل علينا من قرارات همايونية ننصاع لها بملء ارادتنا مقتنعين اننا نتحول تدريجياً إلى كائنات مسلوبة الارادة في ظل نقابات عمالية تراها سبباً زائداً مما نعانيه من العجز وقوىً شعبية اعجز بدورها عن عجز القاصرين في المطالبة بحقوقهم دون ان استثني احداً من بين تلك المجموعات الثقيلة العدد والمترامية الانتشار في كل بقعةٍ من بقاع هذا البلد التعيس واعود لأتساءل : ماهي الاهتمامات الأشد جذباً للمواطن اللبناني على ضوء الحمّى الطائفية والمذهبية التي تتحكّم بالبلد من قاع المجتمع إلى أعلاه مروراً بالمهزلة الكبرى التي شهدها المجلس النيابي اللبناني في جلستي المناقشة والمساءلة للحكومة اللبنانية يومي ١٧و١٨ ايلول الماضي ليذكّرنا اننا معشر اللبنانيين نعيش في غابةٍ يأكل القوي فيها الضعيف فيجد الاول من هو اقوى ويلتحق به ، واين هي شريعة الغاب من شريعة العقول الفارغة التي تسلِّم نفسها لمرجعياتها بكل طمأنينة وسرور ولا تجد ملاذاً آمناً لها سوى داخل الحظائر التي تتسع وتتمدّد لتغطّي بفضائها سماء الوطن ولم يعد رغيف الخبز يقتصر على بضعة غرامات من القمح المطحون بعد ان تحوّل غذاؤنا اليومي إلى وحدات حرارية متراكمة من التسعير الطائفي تناسينا فيها ان رغيف الخبز يحلّق مرتفعاً في سعره وتتعدى الربطة الواحدة منها الدولار الواحد .
هذا لربطة الخبز الواحدة ، فكيف هي الحال لمن يقتصر غذاءه اليومي على الرغيف وحسب فلا يمكن ان تسد جوع عائلته بغير الربطتين والثلاث ربطات وأكثر ، ما يعني ان موازنة الرغيف لوحدها تقارب المئة دولار كحدٍّ ادنى في هذا البلد الذي ما زالت مروحة الفساد فيه تدور ويدور معها الجوع والفقر والبطالة في الوقت الذي ننتظر دولةً قادرة تنتشلنا من هذا المستنقع الآسن فلا نجد غير خطابات سياسية مطحونة بالتخويف بين هذا الطرف والآخر كي تسد جوعنا المزيف على وزن ما تفرزه ارادة الخارج علينا فنكتفي بذلك صاغرين ونقول : شبعنا والحمدلله .