مقالات

مواقع التواصل الاجتماعي بين الجدّية وعدمها . \ نبيل الزعبي

من الأقوال المأثورة (لا تصحح للاحمق لانه سيكرهك ،ولكن صحّح للحكيم لانه سيقدّرك).
صدقاً ، لا اعرف كيف قفز هذا القول المأثور إلى خاطري وانا أتابع بعض التعليقات الجانبية على مواقع التواصل الاجتماعي ، لا سيّما الفيسبوك والواتساب ، عندما تناولت يوماً قضية الدفاع عن المستأجرين القدامى في لبنان وتطرقت إلى النظام الطائفي اللبناني الذي يقف حجر عثرة امام كل إصلاح حقيقي ، لينبري احد المستأجرين المفروض انه من الطبقة الكادحة ويعلّق بانه يرفض مقولة الغاء الطائفية السياسية كي تبقى” الطائفة” التي ينتمي اليها بخير وكإن هذا النظام لطائفة دون اخرى ولا تحكمه منظومة فاسدة تجمع كل المفسدين من كل الطوائف تحت أجنحتها .
وفي سابقة ثانية فوجئت باحدهم يعترض على تناول الصراع مع العدو الصهيوني ببضعة جمل مختصرة فيكتب معلّقاً وكأنه لم يعجبه الموضوع مما لم يزعجني مطلقاً وانما فوجئت انه حديث التعاطي في السياسة ويزعم انه يرأس ويتكلم باسم مجموعة جديدة أطلقت على نفسها اسماً حزبياً عابراً للطوائف والمناطق ليتبين لي انه من عمق البيئة الطائفية التي لا يستطيع مغادرتها ولو بالشعارات .
إلى هذا وذاك يخرج احدهم لينتقد مقالاً مسهباً عن كل ما يتعلق بحاكم مصرف لبنان السابق ، ليكتب بشكل اقرب منه إلى الهزل ويسأل : من يقرأ كل هذا !.
ما تقدّم يشكل عيّنة مصغّرة جداً عن واقع التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي وما يفرض عليك التعرّف على نماذج متعددة تحمل من التناقض والإشكاليات اكثر مما تراه في الشارع وتقترب من بشر ، فالعالم الافتراضي اصبح هذه الايام يطوقنا بكل أصناف التناقضات البشرية ولا داعي مطلقاً للتوصيف وانما للترحُّم على زمن الكتابة الورقية والصحيفة اليومية التي كان لكل منها في لبنان على سبيل المثال قراءها ومتابعي سياساتها الداخلية والخارجية ومع ذلك كان القراء يتبادلون ما يقرأون بكل اهتمام وجدية وكان بريد القراء لبعض الصحف والمجلات يترك حيّزاً هاماً لمن يرسل اليه وينتقد ممن يمتلك ملَكَة الكتابة والوعي السياسي على اقل تقدير .
اما العمل الصحافي فكان يفترض بمن يمارس هذه المهنة الحصول على شهادة جامعية قبل تأسيس كلية الاعلام ، او البدء تدريجياً في المجال الصحافي من مخبر ( يرسل الخبر شفهياً بالهاتف وينصه له من يستلمه في الصحيفة)الى مراسل صغير إلى مندوب وكل ذلك يفرض عليه التزوُّد بالكاميرا او الاستعانة بمصوّر عند الحاجة ليحمل بعد سنوات من المعاناة صفة صحافي او إعلامي تعترف به صحيفته وتزوده ببطاقتها الصحافية .
ولَكَم عرف لبنان صحافيين بدأوا من الصفر ولم يتخرجوا من الجامعات والمعاهد وتبوأوا اهم المجلات والصحف كالراحل سليم اللوزي صاحب مجلة الحوادث ، و سعيد فريحة الذي تربّع يوماً على “امبراطورية”دار الصياد التي كانت تنشر عشرات المطبوعات من بينها جريدة الانوار ومجلتي الصياد والشبكة وغيرها .
لقد كان للصحافة نكهتها وللإعلام هيبته لدرجة ان اكثر من رئيس وقائد عربي كان يحرص ان يكون له “قلما” في كل مطبوعة لبنانية ، صحيفة ام مجلة وغيرها ،
واذا كان الواقع الحالي للفوضى الاعلامية الرثة التي نعيشها مع الفضاء المفتوح على الغث والثمين مما يطالعك من مواقع وحسابات شخصية ، منها الحقيقي واكثرها وهمي او مزيف وفيها الجاد والسخيف والهزلي والمعيب ، فان مقولة ( اليوم تساوى الشجاع مع الجبان)،التي قالها مخترع المسدس(كولت) يوماً وعمل بعض الحانقين على الإعلام المتفلت على تعميمها باعتبار ان الفيسبوك ساوى بين المثقف والجاهل ، فان هذه المقولة ينقصها الكثير من الدقة ولا مكان للتشبيه بين من يحمل مسدس يحتاج إلى قبضة يد قوية والآخر الذي لا يبذل اي مجهود يذكر عدا تحريك أصابعه على شاشة الهاتف المحمول لديه فيبث ما لديه من كتابة سواء كانت جدية او دونها مما لا يحتاج إلى بذل اي عناء او مجهود فكري في اغلب الأوقات خاصة ان عمليات سرقة الفكرة منتشرة دون الإشارة إلى صاحبها والكلام المتفلّت من اية مسؤولية بالتشهير والذم والابتزاز ، لا يخلو منه اي حساب مزيف ووهمي والبعض فيه من الجبن والخسة وقلة الحياء ان يستغل ذلك لتشويه من يعجز على مواجهتهم وجهاً لوجه ويتلطى تحت اسماء مستعارة ويخفي حقيقته .
كل ذلك يجعل من تعزيز مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية اكثر من حاجة امنية اولاً وأخلاقياً وأدبياً ووقائياً ثانياً وثالثاً ورابعاً مع الإشارة إلى ما هو اخطر من ذلك عندما تطالعنا الأنباء عن عملاء محليين للعدو الصهيوني جرى استدراجهم وتجنيدهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي يوماً بعد يوم وأعدادهم في ازدياد ، دون ان نغفل ان من سخريات الفيسبوك ايضاً ان بعض من لفظتهم بيئاتهم الشعبية والاجتماعية والسياسية لم يعد لهم من منصات يبثون فيها أحقادهم وأمراضهم سوى في مواقع التواصل الاجتماعي ويتلطُّون وراء أقنعة وهمية تجعل من الأرنب منهم أسداً هصوراً وتلك لوحدها من آفات المرحلة التي يتوجب التعامل معا بالوعي والتمحيص وكشف القائمين عليها وفضحهم كلما دعت الحاجة لنتوقف مع الكاتب والفيلسوف الإيطالي أمبرتو ايكو وهو يتحدث عن “أدوات”مثل تويتر و فيسبوك تمنح حق الكلام لفيالقٍ من الحمقى، ممّن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسبّبوا بأي ضرر للمجتمع، و كان يتم إسكاتهم فوراً، أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل” ليختم :
إنه غزو البُلهاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى