مقالات

لاهوت السياسة في الفيحاء: مصطفى علوش يستحضر الفلسفة الغربية لتفكيك “ولاية الفقيه” في الصالون الفلسفي سمرقرة/طرابلس

في أمسيةٍ ثقافيةٍ استثنائية حملت الكثير من العمق الفكري والأسئلة الفلسفية المفتوحة، تحوّل أحد مقاهي طرابلس يوم الجمعة الماضي، الخامس عشر من أيار، إلى منصة حوارية رفيعة المستوى. هناك، وضمن فعاليات “الصالون الفلسفي في طرابلس”، التأم شمل النخبة الثقافية حول محاضرة تخصصية تحت عنوان «استحضار الفلسفة الغربية لتسويغ ولاية الفقيه»، قدّمها الدكتور مصطفى علوش، في لقاءٍ شجاع حاول مقاربة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وإثارةً للجدل في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
استهلت المداخلة إبحارها من الجذور التاريخية لعقيدة «ولاية الفقيه»، متتبعةً مسار تطورها السوسيولوجي واللاهوتي منذ غيبة الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن المهدي) في القرن التاسع الميلادي، وصولاً إلى تحوّلها التدريجي من مفهوم فقهي فرعي ومحدود، إلى بنية سياسية عقائدية متكاملة شكّلت الحجر الأساس للنظام الإيراني الحديث. وقد شرّح النقاش التحولات الفكرية والفقهية والسياسية التي دفعت بهذا المفهوم إلى واجهة السلطة، في ظل إشكالية كبرى تتعلق بمصدر الشرعية وأصل السيادة في المجتمع.
وأوضح الدكتور علوش أن الإمام، في العقيدة الإمامية، لا يُنظر إليه بوصفه قائداً دينياً وفقهياً فحسب، بل باعتباره الامتداد الشرعي والمباشر للسلطة النبوية، الجامع بين السلطتين الروحية والزمنية. ومن هنا، فإن غيابه لم يخلق فراغاً لاهوتياً وعاطفياً فقط، بل أنتج أزمة سياسية وفلسفية عميقة حول كيفية إدارة شؤون المجتمع في غياب «المعصوم». هذا الفراغ السيادي، بحسب الطرح، دفع الفقهاء تدريجياً عبر القرون إلى توسيع أدوارهم؛ فانتقلوا من دائرة التفسير والإفتاء الضيقة، إلى ممارسة أشكال من التنظيم الاجتماعي والسياسي، ما مهّد الطريق تاريخياً لبلورة فكرة «النيابة عن الإمام».
وتوقفت المحاضرة عند محطات مفصلية شديدة الأهمية في تطور النظرية؛ بدءاً من دور علماء الشيعة في العصور الكلاسيكية، مروراً بالعهد الصفوي حيث تحول التشيّع للمرة الأولى إلى مذهب دولة رسمي، ووصولاً إلى المرحلة القاجارية التي تعزز فيها نفوذ المرجعيات الدينية المستقلة عن السلطة السياسية القائمة. كما تشعّب البحث في التحولات العاصفة التي شهدها القرن العشرون، ولا سيما بعد إخفاق المشاريع القومية والليبرالية في إيران، ما أفسح المجال أمام التيارات الدينية لإعادة طرح نفسها كبديل سياسي راديكالي قادر على إنتاج شرعية مختلفة.
وفي هذا السياق المعقد، برزت نظرية آية الله روح الله الخميني حول «الحكومة الإسلامية»، باعتبارها النقلة التاريخية الحاسمة التي حوّلت “ولاية الفقيه” من نيابة دينية عامة ومحدودة، إلى مفهوم مطلق للسيادة السياسية الكاملة، عبر التنظير بأن تطبيق الشريعة وإقامة العدل لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال قيام دولة ثيوقراطية يقودها فقيه جامع للشرائط.
المحاضرة لم تكتفِ بالسرد التاريخي الأكاديمي، بل غاصت عميقاً في تفكيك البنية الفلسفية للنظرية عبر استحضار أفكار الفيلسوف الألماني “كارل شميت” حول السيادة واللاهوت السياسي، ولا سيما مقولته الشهيرة: «السيّد هو من يقرر في حالة الاستثناء». وجرى ربط ذكي بين هذه الفكرة الفلسفية الغربية وموقع الفقيه بوصفه مرجع القرار النهائي والمطلق داخل النظام السياسي الإيراني، مع الإشارة الحذرة إلى أن شرعيته الدستورية والدينية تبقى مرتبطة بتمثيل الإمام الغائب لا الحلول مكانه.
كما ناقش اللقاء قراءة الفيلسوف الفرنسي “ميشيل فوكو” للثورة الإيرانية في بداياتها، والتي رأى فيها نموذجاً لـ«الروحانية السياسية» القادرة على تحدي وهزيمة الحداثة الغربية بآلياتها التقليدية. ومن فوكو انتقل النقاش إلى تأثير فلسفة الألماني “مارتن هيدغر” ونقده اللاذع للحداثة التقنية على عدد من المفكرين الإيرانيين الذين سعوا إلى بناء خطاب حضاري مضاد للمركزية الغربية. وتوقف الحاضرون مطولاً عند أفكار المفكر الإيراني أحمد فرديد ومفهومه الشهير «التسمم بالغرب»، الذي استحال لاحقاً أحداً أبرز مفاهيم النقد الثقافي والسياسي في أدبيات الثورة.
وخلص اللقاء الفكري النادر إلى طرح سؤال فلسفي محوري وهام: هل تمثل ولاية الفقيه خروجاً فعلياً من عباءة الحداثة الغربية، أم أنها تعيد إنتاج الدولة الحديثة الشمولية بلغة دينية مختلفة؟ وقد أشار النقاش الغني إلى أن النظرية، ورغم خطابها العقائدي المناهض للحداثة الغربية، بقيت تعمل وتتحرك ضمن بنية “الدولة الحديثة” نفسها؛ بمؤسساتها، وأجهزتها، وبيروقراطيتها، وآلياتها السيادية، ما يجعلها في نهاية المطاف تعبيراً عن أزمة الشرعية الحديثة أكثر من كونها حلاً نهائياً وعابراً لها.
لقد شكّلت هذه الأمسية في تفاصيلها، وفي اختيار مكانها العفوي، مساحة فكرية حرة ونقية للنقاش حول العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة، وبين الشرعية والسلطة، لتثبت طرابلس مجدداً، وعبر صالونها الفلسفي، أنها ستبقى عاصمة الفكر الحاضرة، حيث تتداخل الأسئلة الفلسفية الكبرى مع الوقائع الجيوسياسية، وتبقى فيها إشكالية السيادة واحدة من أكثر القضايا حيوية في الفكر السياسي المعاصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى